مقاه تفتح وأحزاب تغلق

عندما تنظر إلى المقاهي الجديدة التي تفتح في عمان تتذكر أو تستنتج أنها كانت قبل ذلك متجرا لخط آخر من السلع، لم يعد مجديا، عدا المقاهي الكثيرة التي أنشئت في مبان صممت وأعدت لهذا الغرض، وتكاد تكون ممتلئة بالرواد، وفي ساعات المساء يصعب أن تجد مكانا، وتحتاج إلى حجز مسبق لدى بعض المقاهي ليسمح لك بالدخول، وثمة شوارع ومناطق تكاد تكون منطقة مقاه، فهل يعني هذا الإقبال الكبير على المقاهي ظواهر جديدة في أنماط الحياة والسلوك والثقافة؟ وهل يؤشر على تحولات اقتصادية واجتماعية جديدة؟

اضافة اعلان

المقاهي ليست قليلة التكلفة بالمناسبة، فهي لا تقل عن ثلاثة دنانير وتصل إلى عشرة دنانير للشخص الواحد، مقابل أرجيلة تكون نسبة الربح فيها عادة لا تقل عن 90% ومشروب ساخن أو بارد وكوب ماء، وهذا يعني نفقات شهرية بمعدل مائة دينار لرواد المقاهي على نحو شبه يومي، وبرغم ذلك فإن المقاهي تغص بالناس من مختلف الفئات والأعمار والطبقات.

وبالطبع فإن المقاهي بذاتها ليست ظاهرة حديثة، فهي في المدن العربية والتركية العريقة تعود إلى القرن السادس عشر، وكانت فكرتها قبل ذلك موجودة في الحانات والخانات والنزل والحمامات والأسواق منذ عهد قديم، ولكن انتشار شراب القهوة على يد الأتراك العثمانيين أضفى عليها طابعا خاصا وأدخلها في مرحلة جديدة، فهؤلاء الجنود الأشداء المنتصرون الذين كانوا يجوبون العالم وجدوا في القهوة العربية التي تعرفوا عليها مصدرا للتسلية والإنعاش، وتشكل في الوعي الغربي المهزوم أن هذه القهوة "التركية" ترمز إلى النصر والتفوق.

وبعد انسحاب الجيش التركي من فيينا عام 1683 ترك وراءه كميات كبيرة من القهوة لم يكن أحد مهتما بها سوى جاسوس ألماني بقي هناك، فأعطيت له ليفتتح بها مقهى سمي "بلو كافي" وبدأ الألمان الذين كانوا يخصصون نصف أراضيهم لزراعة الشعير لأجل تصنيع "البيرة" يقبلون على شرب "الكاوا أو الكافي" معتقدين أن القهوة المنبهة والمنعشة هي سر الانتصار والشجاعة التركية في حين أنهم يمضون حياتهم غارقين في شرب البيرة أو إعدادها وتحضيرها.

وربما يكون مفاجأة أن حجم اقتصاديات البن اليوم لا يقل عن اقتصاديات النفط، ولكن الظاهرة ليست مقتصرة على القهوة، فاقتصاد "التسلية والترفيه" يشكل اليوم النسبة العظمى من الاقتصاد العالمي، المشروبات بأنواعها، والأفلام والسينما والإعلام والتلفزيون والإنترنت والتبغ والسياحة واللهو والرياضة وفئة واسعة من المأكولات والأطعمة والألعاب والغناء والموسيقى، ولذلك فليس مستغربا أن تبدو السياسة والثقافة أيضا تنحو في سلوكها وخطابها باتجاه الإعلان والتسلية والبروباغندا والترفيه.

وبدأت المقاهي تضيف إلى خدماتها الإنترنت "مقاهي الإنترنت" أو تكون مغطاة بشبكة لاسلكية للإنترنت بحيث يستطيع الرواد الذين يحملون أجهزة كمبيوتر متنقلة أن يمارسوا عملهم ويتصلوا بالشبكة في أثناء تواجدهم في المقهى، وعندما أصبحت المباريات الرياضية غير متاحة على أجهزة التلفزيون إلا باشتراك مدفوع بدأت المقاهي توفر لروادها فرصة مشاهدة المباريات "المشفرة".

وكانت المقاهي في مرحلة سابقة مركزا للعمل الثقافي والسياسي والوطني، وانطلقت منها مشروعات وأحزاب عدة، ولكنها اليوم تمثل هجرة معاكسة للسياسيين والمثقفين والأجيال الشابة من العمل العام والثقافي والسياسي إلى التسلية والانسحاب من الحياة العامة، وربما تعكس حالة من الاحتجاج والإحباط والحيرة والارتباك تجاه العمل العام، وقد تنشئ مرحلة جديدة مختلفة عما سبق، فلا شك أن التجربة السياسية والعامة رسميا وشعبيا قد انتهت إلى فشل شامل سياسيا وتنمويا واقتصاديا وثقافيا وهو فشل يمتد إلى الأجيال أيضا، وبتقديري فإن مواليد عام 1975 وما قبل يعانون من الفشل وهم أيضا مسؤولون عنه، وعاجزون عن تقديم رؤية لمن بعدهم، وربما تكون ظاهرة المقاهي في حيرتها وتحولاتها تعبر عن حالة انقطاع تام بين الأجيال، ولذلك فإن المشروع القادم للتحولات والنهضة إن تحقق فسيكون على يد جيل لا تربطه بالجيل السابق رابطة من التواصل والتراكم.

[email protected]