ملح رجل!

كنتُ مثل أغلب الرجال أخجلُ أنْ أردَّ كفَّ امرأة تمنحني سيجارة؛ أظلل نارَها بكفي وأبدو مدخِّنا محترفا يُهمِلُ فتحَ فمه المُطبق على كلام لا ينضُج، فيخرجُ الدخان، عفوا، من أنفي، و"أسحبُ نفسا" آخر، حين أميل برأسي جانبا محاولا استحضار "كاريزما" محمود عبد العزيز في "رأفت الهجّان"!

اضافة اعلان

وكنتُ مثل كلِّ الرجال أحبُّ التباهي بقائمة الأسماء في هاتفي المحمول التي تنتهي بتاء مربوطة، أو ألف ممدودة، أو مقصورة..، مضيفا إليها ما يحتمل التذكير والتأنيث، خصوصا عندما أستعرضُ أمام الأصدقاء ملاحظة هاتفي المعرَّب، حين يلحُّ في إخباري أن لدي خمس مكالمات لم يتم الرد عليها!

كما كنتُ مثلما يحبُّ الرجالُ أنْ يكونوا؛ خارقا حين يأتي دوري في الحديث عن قدراتي في العطلة الزوجية، لا قلبَ لي إذ أقرر طيَّ امرأة في الدرج الأخير من مكتبي المكرّس طرفه لنساء يجلسن بركبة مكشوفة!

هكذا، وأكثر ظننْتُ أنني أنجزتُ حياتي مبكرا، وأنْ لا هامشَ لامرأة يتمُّ اقتراحها من واحدة من نساء فيلم "يا دنيا غرامي" أو "لحم رخيص"، وصرْتُ أصيغ حكما لمنْ يتبعني من "شباب على كف عفريت"، وأقسمُ لهم أن التي لم تأتِ... لا تأتي أبدا، وأنه لا وجود لها إلا في قصيدة "أشهد أن لا امرأة إلا أنتِ"!

وعشتُ زمني الأخير رجلا يُحسن الحديث عن نفسه، لم يسقط أمام امرأة، ولا يعرفُ إنْ كان للخيبة مذاق ملح الطعام أم ملح الليمون، وحينَ تمشي فتاة إلى عالمي ألقنها في منتصف الطريق رقما مركبا من عدد زوجي وآخر فردي، سيكون رقمها لما تغادر "طاعتي" طاعنة في الألم..، وهي سيدة في العشرين!

حتى الآن لم أعرف غير النصر، وحين يسألني أحدهم عن أول سيجارة دخنتها، أصفنُ في الفراغ.. وأدَّعي النسيان، وأنَّ لكفي إصبعا سادسة، بيضاء، أمنحها لكل امرأة أصافحها!

تعاظمت انتصاراتي حد أنني صرتُ أنام باكرا، ولا يستهلك الإيقاع بامرأة ضامرة المكر أكثر من غرة المساء البرتقالية، ولم أعد مبهورا بأن أروي سيرتي في حوار متلفز، أو مقروء لتعميم تجربتي، أو إنشاء أكاديمية يتسابق فيها خلفائي من البالغين لوراثتي، بعدَ أنْ تبرد كفي، حتى وهي في كف امرأة في مساء حار!

لكن يوما كذب هاتفي المحمول علي، حين أعلمني بلغة عربية غير سليمة أن لديَّ خمس مكالمات لم يتم الرد عليها، وحين ضغطتُ لأتبين الأسماء المذكرة من المؤنثة، لم أجد إلا كلمتين: رقم خاص!

رنَّ الهاتف..، ولا اسم أو رقم، هكذا ارتعش الجهاز فجأة، بانتظار أن يهتدي إصبع من كفي على الزر الأخضر، وما أن ضغطتُ عليه حتى تسرّب نهر حليب إلى خيالي..؛ لكن رأسي لم يجد امرأة سابقة في سيرتي الطويلة يُمكن أن يتم تركيب الصوت الأنثوي المجهول لها. ولما تواترَ اتصالها، صرت أرتبكُ وأتلعثم في الإجابة التي هي تمتمة بالكاد استطاعت تأمين الهواء الكافي لأن أقول إنني أودُّ لقاءها!

ورأيتها..

ثم رأيتها أكثر من مرة، ولم يجر بيني وبينها ما يستحق الحديث، ولم أجدها بهالة صوتها المغرِّر بأنوثة تكسر قامة رجل معتاد على الانتصار، وكنتُ على وشك أن أمنحها رقما مركبا، واحدا زوجيا وآخر فرديا، وأمهِّد لخروجها الطيِّع من "طاعتي".

لكنني عدلتُ عن ذلك، ووجدتني أخرجُ إلى لقائها، أحدثها عن رجل أخرق أدخل كلَّ النساء إلى "طاعة" ليس لها بيت، وصاغ بطولاته من الهذر، وتصديق الكذب.

ربتتْ على قلبي، وكانت أول امرأة تصافحني!

[email protected]