من أبطل "التعويذة"؟!

انتهى المجنون الدموي، الذي اختطف ليبيا أربعة عقود، فأعادها إلى وراء مئات القرون، ونحّى بها جانباً عن دورة التاريخ والحضارة!
في أبشع صورة لقي القذافي حتفه، وإن كان يستحق تماماً ما حدث له من إذلال وإهانة، إلاّ أنّ "صورة" الثورة الناصعة الرائعة لم تستحق ما لحقها بسبب الانفعال والهيجان الذي أصاب من أمسكوا به فخرجوا عن "قيد" الأخلاق والدين في التعامل معه.اضافة اعلان
لا أظن أنّ بشار الأسد وعلي صالح قد ناما تلك الليلة بلا كوابيس قاتلة، وهما يسترجعان في "عقلهما الباطن" الصورة المأساوية لـ"زميلهما في الحكم"، وإذا كانا قد فعلا ما فعلاه لتجنب مصير مبارك وزين العابدين، فإنّ ما حدث مع أولئك الحاكِمَين أقل وطأة بكثير مما حدث مع القذافي، وما سيحدث معهما لاحقاً، وقد أخذا طريقه وسارا على دربه الدموي البشع في التعامل مع الثورة!
لم يكن غريباً لدى المشاهد العربي ذلك المسدس الذهبي الذي كان بحوزة القذافي عند مقتله ولا الحقيبة (على الأغلب فيها وثائق وأموال)، بل أغرب ما في المشهد هي تلك "التعويذة" التي كان القذافي يضعها لتحميه من الثوار!
كنّا، دائماً، نسمع عن قصص الحكّام العرب مع العرّافين والمشعوذين والدجالين، في مصر والمغرب ودول أفريقية، يذهب إليهم الزعماء بالسر، ويحصلون على تعاويذ وتكهنات لحمايتهم، وعلى ما يبدو أنّ تعويذة القذافي التي دفع عليها مبالغ طائلة، أعدّها له مشعوذون محترفون تماماً، لكنها بالتأكيد خذلته، ولم تحمه من هذا المصير الدامي!
يا تُرى؛ ألا تستحق قصة هذه "التعويذة" أن نتساءل عن حقيقة هؤلاء الحكام ومستواهم الذهني والنفسي المخجل والمخزي، وقد تحكّموا في البلاد والعباد عقوداً طويلة، ونهبوا ثرواتها المالية، وبددوا عشرات البلايين، والأنكى والأكثر مرارة أنّهم شوّهوا المجتمعات، ودمّروا طاقات الشباب، وكسّروا إمكانيات النهوض فيها، وقمعوا الحريات وحقوق الإنسان ونكّلوا في المعارضات، وفي نهاية اليوم كان الرهان هو على "تعويذة" يعدها مشعوذ لحمايتهم!
أشعر بالعار والقرف والخجل أمام التاريخ والعالم، وقبل ذلك أمام أنفسنا وأبنائنا! كيف صمتنا دهراً طويلاً على هذا النوع من الحكم البدائي البائس، وأضعنا أعماراً طويلة وثروات كبيرة وخرجنا عن مسار التاريخ، وكم أضعنا من مجلدات في ندوات ومحاضرات ونقاشات في إصلاح هذه الأنظمة وتبرئة "نوايا" هؤلاء الحكّام من "النخب الفاسدة" المحيطة بهم، ونحن نراوغ ونلتف على حقيقة واحدة هي أنّ هذه الحاشية الفاسدة وتلك البطانة لا تقتات إلاّ على الفتات، أما المستفيد الحقيقي فهو "صاحب التعويذة"!
لا أستبعد أن يكون هنالك من حكام الغرب ورؤسائه وأثريائه ومسؤوليه من يذهب إلى العرّافين ويؤمن بما يقولون، أو يضع تعويذه وحرزاً. لكنّ التعويذة الحقيقية هناك هي وجود مؤسسات سياسية وإدارية راسخة، ودول تحكم بالقوانين والأنظمة، وحقوق إنسان وحريات عامة وحكام يُساءلون ويحاسبون قبل أن يورّطوا أنفسهم بسرقة البلاد، ويلقوا مصير مبارك وزين العابدين والقذافي.
أشواق الحرية والتحرر والكرامة والانتفاض على الفساد والظلم والاستبداد وسوط الجلاّد هي "تعويذة الثورة" التي عملت ونجحت في إبطال "تعويذة" مشعوذي القذافي، وقبله زين العابدين ومبارك، وهي التي ستنهي حقبة نظام الأسد وعبد الله صالح، قريباً.