من أين تبدأ الحرب على التطرف؟

في "معمعان" الحرب على الإرهاب والفكر المتطرف والتكفيري، والتي دقت طبولها محليا وإقليميا ودوليا، يبدو الجانب العسكري والأمني في هذه "الحرب" هو الأكثر وضوحا وحسما كخيار، والوحيد الذي يمتلك خططا تنفيذية مفصلة وواضحة على الأرض، فيما لا يبدو خيار الحرب الفكرية والتنويرية والتربوية لمواجهة الفكر المتطرف قد انطلق بعد، بل ولا يبدو أن هناك خطة استراتيجية واضحة ومحكمة للاشتباك مع هذا البعد، لا محليا ولا عربيا أو دوليا. اضافة اعلان
من يغوص في ثنايا المجتمع، وبين شرائحه المختلفة، بما فيها شرائح "مثقفين" ونخب، يلمس بوضوح غياب أي جهود فكرية أو تربوية حقيقية، على صعيد التصدي لخطاب التطرف والتكفير والانغلاق، سواء جاء ذلك تحت يافطة "الدعوشة" أو غيرها، فميكانزمات إنتاج الإقصاء والتطرف الفكري تعمل بنشاط ومثابرة، في مناهجنا المدرسية والجامعية، وفي منابع التنشئة والتثقيف المختلفة، من وسائل إعلام وتواصل اجتماعي وخطاب ديني غير واع ومشوه.
فيما لا تبدو هناك أي جهود حقيقية، فكريا وتربويا وثقافيا، للتصدي لهذا الفكر، بصورة منتجة وفاعلة. وباستثناء تصريحات عامة لسياسيين ورسميين و"كلاشيهات" توعوية عامة، عن نبذ الإسلام للتطرف والإقصاء، لا يبدو أن هناك برنامجا ومشروعا فكريا وتربويا حقيقيا قد وضع أو هو قيد الوضع، لتتلوه خطة تنفيذية متكاملة، تنتج في المحصلة تغييرا على الأرض، في هذه القضية الخطيرة.
من يستمع لخطب الجمعة في أغلب المساجد، أو لمختلف البرامج الدينية التي تبثها قنوات محلية أو عربية، وهي التي لم تتغير في جوهرها ومضمونها عما كانت عليه سابقا، أو يتابع الجهود المبذولة في المدارس والجامعات، يلمس مثل هذا الغياب للبرنامج الفكري والتربوي الذي نتحدث عنه.
قد تكون المشكلة أساسا هنا، ليس في غياب الإرادة السياسية، وربما المجتمعية العامة، في التصدي للفكر التكفيري والمتطرف، الذي نرى نتائجه وتجلياته الدموية على الأرض في المناطق المحيطة بالمملكة، أو في أفغانستان وباكستان وغير مكان في العالم، لكن المشكلة الأساسية، كما أعتقد، في النقص الفاضح في وجود أصحاب فكر تنويري حقيقي، ومصلحين، أو بالأحرى زعماء دينيين إصلاحيين، هم الأقدر والأنسب على التصدي لمثل هذه المهمة، في محاربة وتفنيد تهافت الخطاب التكفيري والمتطرف، الذي يزعم استناده إلى الدين الإسلامي الحنيف، ويقدم قراءة منغلقة له، تنتج في المحصلة فكرا متطرفا، وأفعالا دموية على الأرض.
من تتصدر المشهد اليوم، وهو ما يمكن أن تلحظه بوضوح على الفضائيات ووسائل الإعلام، وفي غير مكان عام، هي  شخصيات لا يمكن وصفها بالإصلاحية أو التنويرية في الغالب، بل هي شخصيات تعيد إنتاج فكر سلفي منغلق، هو أبعد ما يكون عن الفكر الاجتهادي، أو الفكر الذي يتعامل مع الإسلام بشموليته وغاياته الكلية التي جعلت منه دينا عظيما غزا القلوب والعقول برحمته وعدله ورحابة أفقه الإنساني.
لا تسعف هذه العجالة، في الحديث عن غياب الزعماء الدينيين، الإصلاحيين حقيقة، أو تواريهم خلف المشهد، فيما يتصدر هذا المشهد اليوم، أشباه علماء ورجال دين يغرقون هم، ويغرقون غيرهم، في بحر من التفاصيل المتناثرة للمخزون الفقهي، والسلفي التاريخي، ما يرسخ منهجا يمعن في الابتعاد عن كليات الدين، من رحمة وعدل ومساواة وتعزيز قيمة الإنسان والحياة والخير ونبذ الشر والقبح.
من أين ننطلق؟ أعتقد أن البداية هي في تقديم أصحاب الفكر الإصلاحي من رجال الدين أساسا، والتربويين، على قلتهم اليوم، ليتقدموا المشهد، ويقولوا كلمتهم.