من المسؤول "الفيصلي" أم "الوحدات"؟

هل"الفيصلي" و"الوحدات" هما المسؤولان عن إثارة النعرة الإقليمية في الأردن، أم أن الرياضيين في الناديين ضحية مناخ عام تأصلت فيه ثقافة كراهية الآخر؟
الحوادث التي صاحبت مباراة الفيصلي والوحدات الأخيرة ليست جديدة؛ فقد شهدت مواسم سابقة حوادث مماثلة، بل وأشنع منها. وعلى مدار أعوام مضت سمعنا هتافات جارحة، ومسيئة، ولمسنا درجة عالية من الاحتقان الإقليمي في الشارع.اضافة اعلان
لاجديد في الأمر؛هذا هو الشارع على حقيقته. المباراة ماهي إلا مناسبة للتعبير الجماعي عن الثقافة الكامنة في العقول والقلوب.
يتحمل الناديان قدرا من المسؤولية دون شك، ففي الطرفين رؤوس حامية توظف أجواء التصعيد لبناء شعبيتها. لقد فشلت إدارة الناديين في التأثير بجمهور المشجعين، ولم أسمع عن حملة توعية واحدة أطلقها أحد الناديين لتطوير ثقافة التشجيع عند جمهوره.
لكن الانقسام الحاصل عميق وعريض، ويتغذى على ثقافة أسرية، وشعبية، تفترض وجود الشرق أردني في "خندق" الفيصلي، والغرب أردني مع نادي الوحدات.
هذه هي المعادلة القائمة والمعتمدة من الجميع. لقد طرحت من قبل أفكار كثيرة لتغيير الواقع القائم، من بينها الدعوة لحل الناديين، وتغيير الأسماء. واقترح آخرون مباريات من دون جمهور.
كلها بالطبع حلول غير واقعية، فالحل ليس في الملعب، بل في المدرجات. هناك حيث استوطن الانقسام الإقليمي، والرياضة ماهي إلا ميدان من ميادين عديدة لهذه الثقافة السائدة.
هناك إجراءات كثيرة يمكن فرضها بقوة القانون للتخفيف من حوادث كالتي شهدنا في المباراة الأخيرة، وينبغي التفكير بالمزيد منها لمنع الاحتكاك، ومعاقبة مطلقي الهتافات والشعارات المسيئة، وحرمانهم من حضور المباريات، وإيقاع العقوبات المشددة على الناديين.
لكن وكما قلت، إجراءات لتخفيف الأعراض، وليس معالجة الظاهرة من جذورها، لأن ذلك امر مستحيل بكل أسف. وهو على كل حال ليس من اختصاص الرياضيين، إنما السياسيون، ومؤسسات الدولة عموما. وهؤلاء جميعا في حالة إنكار عجيبة.
هناك وعلى كل المستويات حالة انقطاع عن الشارع، والمزاج الشعبي، وسوء إدراك للاتجاهات المهيمنة على عقول الناس. في مؤسسات التعليم الأساسي والجامعي، وفي منتديات العمل العام، تسود ثقافة الشارع لا الدولة، ويخضع التيار العريض من المواطنين لاتجاهات متطرفة؛ دينية وجهوية وإقليمية.
بيئة الأعمال، والأحزاب، والدوائر الرسمية تعيش تحت وطأة الانقسام الكبير. الوحدة الوطنية كذبة كبرى، لا وجود لها في الواقع، ومثلها الهوية الجامعة، وأبناء المدينة الواحدة، وغيرها من المصطلحات الفارغة.
الحياة السياسية بدائية، والسياسيون طبقة جوفاء. لم يعد هناك قادة للعمل العام في البلاد؛ خذوا مثلا البرلمان، واجهة الدولة والمجتمع.
والطريقة التي تدير فيها الحكومات العلاقة مع مكونات المجتمع، تنتمي للقرن الثامن عشر. الأردنيون في العرف الرسمي السائد، مايزالون بدوا وعشائر، ومخيمات ليس أكثر. وكأن لا وجود لطبقة وسطى، ومتعلمين وتكنوقراط ومثقفين، ونقابات مهنية وعمالية تضم مئات الألوف من الأفراد، وأحزاب وجمعيات وروابط.
كل هذه المجاميع يتم تجاهلها، والإصرار على التعامل مع المجتمع من بوابة الهويات الفرعية؛ جهوية وعشائرية واقليمية وطائفية.
لماذا إذا وبعد هذا كله نعتب على الفيصلي والوحدات، وعلى جمهور المراهقين على المدرجات؟
العمل العام في الأردن قائم على القسمة؛ في الرياضة والسياسة.