من هم المتجرئون على هيبة الدولة؟!

حديث الساعة في البلد الآن وبين النخب الثقافية والسياسية وحتى السفارات الغربية ما يحدث من مشاجرات بين أفراد من الناس في بعض مناطق الأردن، وتناول البعض من الكتاب ما يحدث من مشاجرات والحديث عن الهيبة المفقودة للدولة، دونما البحث في فكرة ما وراء "الهوشات".

اضافة اعلان

بقيت تلك المحاولات (التي كتبت) تدور في فلك توصيف المشكلة، وليس البحث عن حلول لها، بل إن البعض من هذه الكتابات، قد تناول ما يحدث لجعله مدخلا لشتم البنية الاجتماعية للمجتمع الأردني!

ويغيب عن الكثيرين ممن كتبوا بحكم غياب فهمهم للمجتمع وحركته، أن السلوك الاجتماعي لمجتمع ما هو تعبير عن واقعه السياسي والاقتصادي، فما يحدث من مشاجرات وتجرؤ في بعض الأحيان على هيبة الدولة ليس مرده أن البنية الاجتماعية العشائرية في الأردن متمردة على الدولة ابتداء.

حركة التاريخ والمجتمع على مر ولادة الدولة الأردنية منذ ما يقرب التسعين عاما شهدت التصاقا بمشروع الدولة وانسياقا طوعيا لسلطتها في اغلب الأحيان، بحكم المصلحة التي ربطت استقرار النظام السياسي والاجتماعي وتوسع مؤسساته مع مصالح بنيته الاجتماعية؛ أي بمعنى آخر مع عشائره التي كانت مادة الدولة وعصبيتها، التي هي في السياق الخلدوني (نسبة لابن خلدون) تترجم طبيعة العلاقة بين الدولة ومجتمعها لوصف حركة المجتمع الأردني، وكذلك يمكن التنبؤ مستقبلا بما يمكن أن تؤول إليه العلاقة بين الطرفين  في حال تخلى أي طرف من الطرفين عن العلاقة التي تربطهما.

لذا كانت بعض من التحليلات التي وردت في تفسير ما يحدث غير بريئة على الإطلاق، وتحمل الأمور فوق ما تحتمل وتسعى إلى "مركزة" فكرة مؤداها أن النظام العشائري نظام متخلف في بنيته أصلا وان البديل لذلك المجتمع المدني، ونحن مع القول إن البديل لتطوير المجتمعات هو الدولة المدنية التي يشارك في صياغة قراراتها كل المواطنين بغض النظر عن أصولهم وديانتهم، ولكن ما يحدث عكس ذلك تماما واللاعب الرئيسي فيه ليس العشائر!

ومكمن الخطر في بعض التحليلات في "لمز" بنية المجتمع الأردني الذي يأتي في سياق المكبوت الذي يخفيه البعض في توصيف علاقة الدولة بمجتمعها، ويغيب عن ذهن بعض هؤلاء الذين يتعمدون ذلك النوع من التحليل "الشاتم" بطبعه للمجتمع الأردني أن الدولة بنيت على أكتاف هذه البنية الاجتماعية.

النهج الاقتصادي، الذي تبعته الدولة الأردنية على مدى السنوات الأخيرة، ساهم بطريقة أو بأخرى في تخلي الدولة عن مجتمعها لصالح قوة السوق، التي تتحكم بها مجموعة من القطاع الخاص، التي لا تقيم وزنا لا للدولة ولا لمجتمعها، وان هذا القطاع قد رسم تحالفاته مع بعض القوى في السلطة لضمان استمرار هيمنتها على المجتمع وتفكيكه بما يخدم مصالحها الاقتصادية، وهي في ذات الوقت ساهمت في تغييب هيبة الدولة من خلال فرض مجموعة من الأنظمة والقوانين التي تخدم مصالحها، عبر التسلل إلى عمق صناعة القرار والتأثير لصياغة مشروع تفكيك الدولة.

والحقيقة الأهم أن هذه التعبيرات التي تتم من خلال المشاجرات بين أفراد بعض العشائر وجب التقاطها والتأسيس عليها للإصلاح الاقتصادي والسياسي، الذي يضمن شكل العلاقة بين المجتمع ودولته من دون السماح بتغول طرف على آخر، ودونما الانحياز لقوة قوانين السوق التي تشكل العدو الأول للمجتمع، التي لا قدر الله إن بقيت هي المتحكمة سوف يصبح ما يحدث عبارة عن تمارين لشكل التمرد المقبل!

هنا، يجب إعادة النظر في شكل علاقة الدولة مع القطاع الخاص الذي فرض شروطه من جهة، وكذلك  شكل علاقة الدولة مع مجتمعها من جهة أخرى التي بدا في بعض الأحيان أنها تفقد هيبتها.

[email protected]