"موزاييك فسيفساء" الانتخابات الإسرائيلية

يمكن تشبيه نتائج الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية، التي أُعلنت أمس، بأنّها قطع موزاييك مرسومة على شكل فسيفساء. فالقطع (الكتل البرلمانية) ليست صغيرة إلى درجة تشبيهها بالفسيفساء، ولكن التكوينات داخل القطعة الواحدة متعددة حدّ أن الكتلة الواحدة تبدو فسيفسائية التشكيل. فالليكود، مثلا، الذي صعد فيه اليمين المتطرف على نحو كبير، مكوّن من تحالف مع "إسرائيل بيتنا"؛ حزب المهاجرين الروس، وحصل على 31 مقعدا فقط، مقارنة بـ 42 مقعدا في البرلمان السابق. ولليكود في تحالف "ليكود-بيتنا" 21 مقعدا فقط، وانفكاك التحالف بين الحزبين ممكن.اضافة اعلان
وحلّ حزب "هناك مستقبل" الوسطي، حديث التكوين، ثانيا بـ19 مقعدا، وتبنى مواقف غير حاسمة من قضايا عديدة، مثل الاستيطان والسلام، وركز على القضايا الاجتماعية. وجاء ثالثا حزب العمل بـ15 مقعدا، تاركا قيادات مثل رئيسه السابق عمير بيرتس، يتحالف مع تسيبي ليفني، رئيسة الوزراء السابقة، ورئيسة "كاديما" السابقة، لتشكيل حزب "الحركة" الذي حصل على 7 مقاعد.
ماذا تعنى موزاييك الفسيفساء هذه؟ تعني أن 11 أو 12 كتلة ستشكل البرلمان، ويمكن تصنيفها وإعادة تصنيفها تبعا لمتغيرات عديدة؛ أحدها مثلا أنّه يمكن رصّ أحزاب اليمين الصهيوني والأحزاب الصهيونية، وتحتل 61 مقعدا، إلى يمين لوحة البرلمان، يقابلها 59 عضوا مما يسمى اليسار، ويسار الوسط، والوسط، والأحزاب العربية.
وإذا شُكلت اللوحة على هذا النحو، سيلتصق جنبا إلى جنب تحالف من أكثر التكتلات يمينية وتشددا في تاريخ الصهيونية. فمثلا، داخل الليكود الذي يزعم أحيانا أنّه وسطي، وأنّه لا يرفض من حيث المبدأ قيام دولة فلسطينية، تقول "واشنطن بوست" إنّ اثنين فقط (أحدهما بنيامين نتنياهو) من أهم 30 قياديا فيه، يقبلون فكرة الدولة الفلسطينية. ويبدو أنّ المنافس والحليف الأهم لليكود الآن هو حزب "البيت اليهودي" الذي حصل على 12 مقعدا، ومن مؤسسيه كبار حاخامات الجيش الإسرائيلي سابقا، وهو يعبر عن المستوطنين والمتشددين المتدينين من ضباط الجيش، وقال رئيسه، نفتالي بينيت، بعد فوزهم: إنّ أحدا الآن لن يقيّد أيدي جنود الجيش أو يصفهم بـ"مجرمي حرب". وهذا الحزب منافس رئيس لحزب "شاس" المعارض بشدة للخدمة العسكرية للمتدينين. وبالتالي، سيكون هذا التحالف اليميني هشّا بخلافات أعضائه، وتنافسهم الشديد، وبأغلبية بسيطة يمكن أن يهدّدها أي شيء حتى القضايا الجنائية ومحاكمات الفساد ضد أعضاء هذه الأحزاب. ولكن هذه الأحزاب تتفق وتتنافس في أولوية الاستيطان.
كما أنّ وصف حصول "غير اليمين" على 59 مقعدا ربما يكون وصفا مخادعا، لأنّ التباين بين هذه القوى كبير.
إذا رُصّت قطع موزاييك الفسيفساء بحيث يحتل الليكود منتصف اللوحة، ليلتصق في تحالف مع "هناك مستقبل"، وربما حزب ليفني مع أحزاب أخرى، ما سيجعل التحالف أقل يمينية، وأكثر علمانية، ويقطع الطريق على هيمنة المتدينين الأصوليين والصهاينة (الذين حصلوا معا على ما لا يقل عن 30 مقعدا)، فإنّه يعني أنّ اللوحة ستتشكل من أحزاب تتباين جدا في توجهاتها الاقتصادية والاجتماعية، وسيكون ملف دخول المتدينين للجيش، الذي يهتم به "هناك مستقبل"، ملفا متفجرا. وربما التنافس على كسب رضا المستوطنين أقل.
في كل الأحوال، يبدو تشكيل مشهد واضح إسرائيليا أمرا صعبا، نتيجة لاعتماد اللوحة المرتقبة على رسومات لفسيفساء خادعة للبصر لشدة تداخلها وتناقضها داخل اللوح الواحد. والأهم أنّ عملية رصّها إلى جانب بعضها تعترضه عقبات تجعل سقوطها سهلا في أي لحظة؛ إما في إطار إعادة تشكيل التحالفات مجددا، جزئيا أو كليا، بخروج كتل ودخول أخرى. واللاصق الذي يجمع الألواح معا ضعيف، والمشهد المتشكل متعِب ومنفّر للنظر، بحيث أن سقوطا شاملا يؤدي لانتخابات جديدة أمر محتمل جدا.
سيحاول أي تحالف يميني أن ينقل المعركة خارجيا ضد الفلسطينيين؛ بتصعيد الاستيطان والتطهير العرقي الناعم، وستواجهه معارضة تعتقد أنّها كسبت مقاعدها بتركيزها على قضايا ما يسمى "موائد المطبخ" الإسرائيلية؛ أي على قضايا ارتفاع الأسعار، مع مهاجمة امتيازات المتدينين المالية والقانونية. أمّا إذا تشكل ما يسمى مجازا "تحالف وسط"، فستكون معركته الاقتصادية الداخلية مستمرة، وسيواجه يمينا دينيا استيطانيا شرسا لا يختلف معه على الاستيطان بقدر الخلاف على الميزانيات والامتيازات الخاصة بالطوائف والمدارس الدينية.

[email protected]