نأسف لخذلانكم!

عادة ما تضع شركات المقاولات في المشاريع الإنشائية وعلى الطرق، لافتات تحمل عبارة "نأسف لإزعاجكم.. نعمل لخدمتكم".
الشركات تعتذر مسبقا عن الإرباك الذي تسببه، وينعكس سلبيا على حياة الناس، وكأنها تقدم اعتذارا مسبقا لعلمها الأكيد بالتعطل والضرر الذي ستوقعه على المجتمع.اضافة اعلان
الناس بدورهم لا يلتفتون كثيرا إلى اللافتة التي صارت جزءا من ممارسات الشركات، ربما لأنهم يدركون أن الشركات لا تقصد فعليا ما كُتب، ولا تلتزم به حرفيا؛ إذ كثيرا ما نشهد عمل شركات يتسبب في قطع الكهرباء والمياه عن أحياء خلال القيام بالعمل. وثمة شركات تترك حفرا بدون اكتراث، وتغادر بدون أدنى مراعاة لحقوق الناس الذين اعتذرت منهم مسبقا عن كل لحظة إزعاج أتت به. لكن الشركات تعتذر على الأقل، وتعبر عن تقديرها لما يتحمله المواطن من تأخير، وغيره من مظاهر سلبية ترافق مدة العمل.
حبذا لو استفادت الحكومات من خبرة الشركات، وصارت تدرج في البند الأول من برنامج عملها ذات العبارة، اعترافا منها بأن عملها سيوقع ضررا أكبر على المجتمعات؛ فلطالما أرهقت الحكومات المجتمع، وسببت له القلق والخوف من سياساتها.
للأمانة، الشركات كانت أكثر كياسة من الحكومات، لأنها أدركت مبكرا أنها ستؤثر على الناس، وتقتحم حياتهم.
أخطاء الحكومات بلا حدود، ونتائجها كارثية وشاملة. فكل المشاكل التي يعاني منها الجميع، بدءا من بطالة الشباب، وتراجع التعليم إلى الدرك الأسفل، كانت الحكومات هي المسؤولة عنها.
وفقدان الثقة الذي تنامى بين الشارع والحكومات، جاء نتيجة طبيعية لتخلي الأخيرة عن أدوارها الحقيقية، وانشغالها بتحقيق المكتسبات الخاصة، والتنصل من المسؤوليات التي تقع على كاهلها بخدمة المجتمع والإخلاص للوطن.
الاعتذار مطلوب من حكومات طالما زيفت الحقائق، وظلت تتغنى بانتصارات وهمية، وفشلت في إحداث فرق إيجابي في حياة المواطن الذي نجده اليوم عاجزا يائسا من كل الحكومات.
والاعتذار مطلوب من كل الحكومات ومسؤوليها، بعد أن سمحت بضياع هيبة القانون، ولم تلتزم بتطبيقه؛ فتخلت عن احترامه أو طبقته بمزاجية تبعا لمن يخالفه، ومدى سطوته أو ضعفه.
وعلى الحكومات أن تعتذر بعد كل ذلك عن مليارات الدنانير التي أنفقتها بدون أن تُحدث فرقا في حياة الناس، بل على العكس؛ فكل الأموال التي أنفقتها فشلت في تحسين حياتهم، ولم تحقق آمال وطموحات الشعب.
وعلى الحكومات الاعتذار بعد أن فشلت، على مدى سنوات، في إجراء انتخابات حرة ونزيهة، ولم تحم إرادة الناخبين، وتلاعبت بها، لتفرز مجالس نيابية فاقدة للشرعية.
كل الأخطاء التي ارتكبت لم تدفع مسؤولا اقتصاديا واحدا للاعتذار عن ارتفاع الدين إلى مستويات مقلقة، بعد أن أسرفت الحكومات في الإنفاق بدون نفع، ولم تستطع بعد كل الكلام عن الإصلاح الاقتصادي، حماية المنجزات المالية، بل أعادتنا عقودا إلى الوراء.
وكل الوعود بحماية المستهلك من ارتفاعات الأسعار تبخرت أمام تساهل الحكومات في أداء دورها الرقابي، وسن التشريعات التي تحميه من طمع بعض التجار.
الضرر الواقع على المواطن كبير وبلا حدود، فالحكومات جاءت بالفقر والقهر، ومست كرامة المجتمع، لكنها رغم كل ذلك لم تعتذر للمواطن ولو مرة واحدة عن الخطايا التي ارتكبتها بحقه على مدى سنوات طويلة من العمل، من باب التكفير عن تلك الخطايا التي أوصلتنا إلى ما نحن فيه.
كل هذه الأخطاء ولم تعتذر الحكومات، ولم تكلف نفسها حتى رفع شعار "نأسف لخذلانكم.."!

[email protected]