نحن رهينة الاستبدادين السياسي والديني

قبل عام أو يزيد جمعنا سمو الأمير الحسن بن طلال في منزله العامر، وأجلسنا في حديقة منزله في جلسة "مذاهنة"، كما يسميها الفارابي، ومثقفو العصر الحالي يسمونها عصفا ذهنياً، وتطرق الحديث لتداعيات "الربيع العربي" على المجتمعات ودوره في تفكيك المجتمعات.اضافة اعلان
برز ابن خلدون بشكل جليّ في النقاش، وتوصيفه للمجتمعات وغاب تماماً الفارابي، الذي طرح فكرة التمدن والمدنية، ولكن كلا الاثنين يتحدثان عن السلطة والاستبداد الديني والسياسي وربما كان حضور الديني في الاستبداد أقل، بحكم النزعة السائدة في العقل الديني المسيطر على المجتمعات ويتحالف عضوياً مع السلطة، لكن في ثنايا ما كتب تجد بوضوح شكلي الاستبداد، ورغم المساحة المعرفية المفتوحة لمفكري تلك العصور التي هي مقارنة بهذا العصر لدى مثقفينا محدودة جداً، نجد أن ثقافة الاستبداد بشقيه الديني والسياسي، هي الظاهرة الأبرز على مر تاريخ الوعي العربي، وأصبح عقلا مغلقاً لا يستطيع مواجهة التطورات المعرفية، ويربط كل ما يتم وسيتم بالقضاء والقدر  ويسلم نفسه طوعا حتى لو كان مفكراً، لجدلية الديني والسياسي التي فرضت شروطها بقسوة على كل الناس، وبقينا محصورين في إطار ضيق، لا يستطيع أن يفكر بالمستقبل، وأصبح أئمة المساجد والدعاة، والزعماء المتشبثون بكراسيّهم منذ وفاة الرسول الكريم وحتى هذه اللحظة، يجيّرون الخطاب الديني عبر جملة الفقهاء المستفيدين لخدمة البقاء في السلطة. وبلغت الجرأة عند الطرفين (فقهاء وحكاما) لتأليف النصوص وتدعيمها بالأحاديث الموضوعة والصحيحة، لتبرير سلطة الاستبداد.
ونتيجة لهذا التراكم التاريخي أصبح العربي يعيش في حالة من التآكل الذهني والاستسلام لهذين القدرين.
وكشف ما يسمى "الربيع العربي" عن هشاشة هذه المجتمعات، وسرعة الانقلاب في معاييرها الثقافية والقيمية، ولذلك تجد أن هذا الربيع أصبح ربيعا دمويا بامتياز، يقتل الجار جاره، وانقسم الناس المقسومون أصلاً لطوائف وأفكار ومعتقدات وأساطير متأصلة في بنائهم الثقافي الجمعي، الذي تم اختراقه بنجاح من قبل الغرب والصهيونية، لتأصيل هذا الانقسام لخدمة المشروع الإمبريالي في المنطقة.
وبات العربي بين مشروعين أحلاهما مُرّ: الأول، المشروع الغربي الصهيوني، والثاني المرتبط بالاستبدادين الديني والسياسي، وكلا الطرفين ينسق لاستمرار وجوده مع المشروع الغربي. ولذلك أصبح الرهان على الانعتاق من ربقة هذين المشروعين حلما لا يمكن تحقيقه، فولد التطرف وانساق العربي إلى فوج الخلاص الفردي بدعوى أن العدالة لا يمكن تحقيقها على الأرض، وأن الجهاد المقدس يشكل خلاصا من مشاكله النفسية والاقتصادية والسياسية، فلا داعي للتفكير وصنع المستقبل.
هذا الاستبداد جعلنا نقوم بدور وظيفي لخدمة الآخر من دون أن تكون هناك سلطة للعقل أو نظرة للمستقبل، وأصبحت الماضوية هي عنواننا!