نقل تجربة غزة الفاشلة إلى لبنان!

هل يسعى "حزب الله" إلى نقل تجربة "حماس" في غزة إلى لبنان. يبدو ذلك في حسابات الحزب الذي لجأ أخيراً إلى مزيد من التصعيد واضعا شروطا محددة لأي رئيس لبناني جديد. من بين هذه الشروط تعايش الدولة اللبنانية مع دولة مسلحة داخل الدولة تابعة مباشرة للنظام القائم في ايران. هذا ليس سرّا عسكرياً ما دام الأمين العام لحزب الله يؤمن بأن مرجعيته إيرانية وأن "ولاية الفقيه" في صميم عقيدته.

اضافة اعلان

هناك أمر واحد لم يتنبه السيد حسن نصرالله وهو أنه يحاول تقليد تجربة غزة في لبنان في وقت بدأ العد العكسي لهذه التجربة بعدما نزل المواطنون بعشرات الآلاف إلى الشارع وتحدوا ميليشيات "حماس". يبدو نصرالله وكأنه ذاهب إلى الحج فيما الناس راجعة منه.

متى نظرنا عن كثب إلى التطورات، إن في لبنان أو في فلسطين، نجد أنه ظهر ضعف ما في "ساحتين" مهمّتين تعتبران من الأوراق الاستراتيجية للمحور الإيراني- السوري الساعي إلى التفاوض مع المجتمع الدولي، على رأسه "الشيطان الأكبر" الأميركي، من موقع قوة بغية تأكيد أنه القوة الإقليمية التي تتحكم بكل شاردة وواردة في الشرق الأوسط. ظهر ضعف على القوى التابعة للمحور الإيراني- السوري في فلسطين من خلال ما حصل في غزة في مناسبة إحياء الذكرى الثالثة لغياب ياسر عرفات الزعيم التاريخي للشعب الفلسطيني. وقبل ذلك ظهر ضعف في الخطاب السياسي لـ"حماس" التي لم تجد ما تقوله في تبريرها لمعارضتها للمشاركة في مؤتمر أنابوليس سوى كلام يخدم الاحتلال الإسرائيلي.

هذا الاحتلال الذي يستند إلى النظرية التي طبقها أرييل شارون في محاربته لياسر عرفات والقائمة على أن لا وجود لشريك فلسطيني يمكن التفاوض معه. ما تفعله "حماس" في الوقت الحاضر هو الاستمرار في خدمة سياسة شارون حتى وهو في غيبوبته الطويلة المستمرة منذ سنتين تقريبا والتي لن يستفيق منها يوماً.

كذلك ظهر ضعف في أداء الأدوات الإيرانية- السورية في لبنان من خلال الخطاب الأخير للأمين العام لـ"حزب الله" المذهبي الذي ليس سوى لواء في الحرس "الثوري الإيراني" بعناصر لبنانية لا أكثر ولا أقل. لم يتردد حسن نصرالله في الدعوة إلى انقلاب على الشرعية في لبنان عن طريق "مناشدة" الرئيس اميل لحود الذي تنتهي ولايته ليل الثالث والعشرين- الرابع والعشرين من الشهر الحالي إلى الإقدام على "مبادرة إنقاذية". إنها دعوة واضحة إلى اميل لحود من أجل مخالفة الدستور نظرا إلى أن كل ما يستطيع أن يفعله رئيس الجمهورية اللبنانية لدى انتهاء ولايته هو الذهاب إلى منزله، أقله من أجل المحافظة على ما بقي من هيبة لرئاسة الجمهورية واحترام لها، هذا إذا كان رئيس الجمهورية مصمما على احترام نفسه واحترام القسم الذي أداه بالمحافظة على الدستور بدل التحايل على نصه الواضح في هذا الخصوص.

قبل أحداث غزة الأخيرة التي تخللها إطلاق النار على أنصار "فتح" والمواطنين العزل، كان الخطاب الأخير لرئيس الوزراء الفلسطيني المقال إسماعيل هنية ذروة الإفلاس. كل ما فعله هنية، وهو من قادة "حماس" كان توجيه اللوم تلو الآخر إلى الآخرين، خصوصا إلى السلطة الوطنية والرئاسة، لتبرير الفشل الذريع لـ"حماس" في إدارة شؤون غزة منذ استيلائها عليها في انقلاب دموي نفّذته في الخامس عشر من حزيران- يونيو الماضي.

لم يوفّر رئيس الوزراء الفلسطيني المُقال أحداً. ركّز في هجومه على العقيد محمد دحلان الذي كان في رحلة علاج لدى حصول الانقلاب والذي ذنبه الوحيد أنه لم يفكر يوما في الانتهاء من "حماس" في غزة بمقدار ما أنه سعى إلى تفادي سفك الدماء والاكتفاء بإشعار الحركة بأن ثمة ثمنا لارتكاب جرائم في حق عناصر "فتح".

إلى أن تبين له أن سياسة الاحتواء فاشلة وساذجة في الوقت ذاته وأن حساباته ليست في محلها نظرا إلى أن "حماس" تريد السلطة بأي ثمن بغض النظر عما يمكن أن يكلف ذلك الشعب الفلسطيني من ضحايا ودماء.

مارس هنية في الأسابيع الأخيرة عملية هروب إلى أمام توَجها، بعد أيام قليلة من خطابه، بإصدار الأوامر بقمع الذين أرادوا أن يتذكروا ياسر عرفات في مناسبة مرور ثلاثة أعوام على استشهاده في الحادي عشر من تشرين الثاني- نوفمبر الحالي. استخدمت "حماس" القوة في قمع أنصار "فتح" الذين كانوا نحو نصف مليون في شوارع غزة.

سقط سبعة قتلى وأصيب العشرات بجروح. كانت تلك إشارة واضحة إلى بدء العد العكسي للانقلاب الذي نفذته "حماس". تجرأ الناس على "حماس" وأجهزتها القمعية خصوصا الميليشيا التابعة لها والتي سمّيت "القوة التنفيذية". من يقتل أبناء الشعب الفلسطيني الذين أرادوا إحياء ذكرى غياب "أبو عمّار" مفلس. على من يرتكب مثل هذا النوع من الجرائم الاعتذار من الشعب الفلسطيني والاعتراف بأنه خان الأمانة قبل اللجوء إلى المبررات.

عاجلا أم آجلا، سينتهي حكم "حماس" في غزة. إنه فشل ذريع لحركة لا تمتلك مشروعا سياسيا، بل تمتلك شعارات تحاول من خلالها تبرير استيلائها على السلطة. كشفت "حماس" نفسها عندما لم تجد سوى الرصاص ترد به على أنصار "فتح" الذين نزلوا إلى الشارع تكريما لذكرى ياسر عرفات. ما يفعله "حزب الله" في لبنان هو ما فعلته "حماس" في غزة. يحاول الحزب تكرار تجربة "حماس" في لبنان غير مدرك أن لبنان ليس غزة، وانه اختار التوقيت غير المناسب لذلك. بكلام أوضح، يريد "حزب الله" تكرار تجربة غزة في لبنان مستخدما اميل لحود والأدوات المستأجرة من ميشال عون إلى وئاب وهّام وما شابههما في وقت لم يعد أمام "حماس" سوى إشهار افلاسها العلني نظرا إلى أنه لم تعد لديها سوى لغة الرصاص تتعاطى بها مع أبناء الشعب الفلسطيني.

أبعد من إفلاس "حماس" في غزة ولجوء "حزب الله" إلى كل الوسائل غير المشروعة للاستيلاء على لبنان، بما في ذلك توجيه سلاحه إلى صدور اللبنانيين وأرزاقهم، يتبيّن للمرة الأولى منذ سنوات عدة أن المحور الإيراني- السوري بدأ يضعف. هناك علامات وهن ظهرت عليه في فلسطين ولبنان تؤكد ذلك. لو لم تكن "حماس" مفلسة لما اضطرت إلى إطلاق النار على أبناء الشعب الفلسطيني لمجرد رفعهم صور ياسر عرفات. ولو لم يكن "حزب الله" ضعيفا لما كان حسن نصرالله كشف أن الحزب يريد الاستيلاء على لبنان وكل مواقع السلطة في الوطن الصغير، من رئاسة الجمهورية، إلى قيادة الجيش، إلى الحكومة، الى المواقع الأمنية الحساسة في الوطن الصغير.

لا يعني هذا الكلام أن "حماس" فقدت أنيابها ولن تحاول خلق اضطرابات في الضفة الغربية. وأن "حزب الله" لن يلجأ إلى مزيد من العنف والتصعيد من أجل إلحاق مزيد من الأذى بلبنان واللبنانيين. على العكس من ذلك لا يمكن إلا توقع مزيد من الشراسة والوحشية في التعامل مع الفلسطينيين واللبنانيين في الأسابيع القليلة المقبلة.

القوي لا يخيف، الضعيف هو الذي يلجأ إلى السلاح والتهديد به واستخدامه في أية مواجهة مع شركائه في الوطن! الحر لا يخيف. من يخيف هو الذي لا يمتلك قراره، بل ينفذ الأجندات المفروضة عليه من خارج. وهذه للأسف حال "حماس" و"حزب الله".