نهايـة حركات الاحتجاج العربيـة

 على مدى الشهور الأربعة الماضية تراجع صوت حركات الاحتجاج العربيـة إلى حد الصمت والاختفاء أحياناً، تلك الحركات التي كانت في مثل هذا الوقت من العام الماضي تملأ الفضاء السياسي العربي حياة وضجيجاً، ولم نعد نسمع بها هذه الأيام، وربما لم تعد قادرة على صنع الأحداث والصعود في سلم أولويات الأخبار واهتمامات وسائل الإعلام، بعد ما أفضت به سلسلـة من التفاعلات السياسية المحليـة والدوليـة، وكشفت عن ضعف هذه الموجـة السياسيـة وهو الضعف الظاهر للعيان في عدم القدرة على خلق حالة تراكم على الأرض، تنعكس على مجمل مشهد الحياة السياسية في البلدان التي ظهرت فيها.

اضافة اعلان

   تراجعت حركات الاحتجاج العربيـة، وسجل العام الحالي بدايـة أفولها المتوقع، وفق شروط الواقع، ووفق ما طرحته من خطابات وأدوات سياسية. فلقد ضربت الخلافات الداخليـة عميقاً داخل اطر بعض هذه الحركات، وتفتت إلى شلل وجماعـات صغيرة، بينما كشفت الانقسامات الحزبيـة في بلدان عربيـة أخرى أزمة اعمق فيما يتعلق بالأطر المرجعيـة لهذه الحركات التي انهارت مثل لعبـة الدمنو المعروفـة، وفي جهـة ثالثـة اختصرت النخب السياسيـة حركـة الشارع وسلطـة الناس في تياراتها السياسيـة، بمعنى ان النخب السياسيـة استثمرت حالـة الاحتجاج الشعبي واغلقت الباب خلفها.

   وبالفعل، لم نعد نسمع خلال الشهـور الأربعة الماضيـة عن احداث تصنعها حركات الاحتجاج السلمي "كفايـة" "وكفى وارحلوا" وغيرها من حركات انتشرت خلال السنوات القليلـة الماضيـة في مصر واليمن وفلسطين ولبنان والمغرب والجزائر والبحرين. ولا يكفي قراءة تباطؤ التاريخ السياسي لهذه الحركات على خلفيـة تطورات الأحداث الأخيرة وسياق العمليات الانتخابيـة التي جرت في بعض البلدان، بل يتعدى الأمر إلى أزمات ترتبط بهذه الحركات نفسها وعلاقتها بالناس والجماهير أولاً، وبالذهنيـة والخطابات التي جاءت بها ثانياً.

   لقد كان ولا يزال الرهان على هذه الحركات – اذا ما قدر لها التجدد والانتشار- بان تضيف قوة جديدة للحياة السياسية في العالم العربي. فلا شك ان المجتمعات العربية لم تعرف خلال العقود الماضية الا مظاهر الاحتجاج العنيف في التعبير عن التنازع مع السلطة، ولا يوجد شك ايضاً في أن الحركات الاحتجاجية قد عبرت لاول مرة عن نمط جديد من التعبير عن المطالب والحاجة للإصلاح السياسي بأدوات سليمة، وكشفت بدورها عن أزمات حقيقية في المجتمع السياسي، وعبرت بقوة عن إفلاس الأحزاب السياسية والمجتمعات المدنية وفقرها السياسي والمجتمعي وعمق ازمتها مع الجماهير، بل رفعت من مستوى التفاؤل والتطلع إلى مجال سياسي عام مختلف يستوعب مضامين سياسية واجتماعية جديدة وأدوات أنجع في التعبير عن المطالب، وبالتالي بناء مجتمعات ديمقراطية جديدة.

   لكن، هل يكشف هذا الصمت والتراجع الذي لحق بهذه الحركات عن كونها "حملا كاذبا" وأملا زائفا، ام ان ما يحدث هو جزء من أزمات التحول السياسي التي تفترض التقدم والتراجع وتبقى إمكانية التجدد واردة وباقية؟ ومع هذا وذاك تبقى التجربة الماثلة تعبر عن أزمات حقيقية واختلالات بنيوية وأخرى منهجية، شهدتها هذه الحركات، ستبقى تحول دون وصولها إلى المطالب التاريخية بإحداث إزاحة وقطيعة مع الآليات التقليدية في تداول السلطة وممارستها للحكم والإدارة.

   وثمة تدوير واعادة إنتاج نجده في إطار مراجعة أزمات حركات الاحتجاج منذ بدايات ظهورها في عام 1999م ووصولها إلى أوج الحراك السياسي خلال العامين الماضيين؛ وأول هذه الأزمات ضعف قدرة هذه الحركات على التحول إلى حركات احتجاج اجتماعي شامل، مثلما حدث في جهات عديدة من العالم، بمعنى حركات اجتماعية واسعة قادرة على تحريك قطاعات واسعة من الناس تجتمع حول برنامج واضح وقيم سياسية مشتركة، وتبدع أدواتها في التعبير عن مطالبها.

   والأزمة الثانية، التي تفسر الأزمة الأولى، تتخلص في عجز هذه الحركات عن استيعاب خصوصية كل مجتمع والتعبير عن هذه الخصوصية بأدوات سلمية محلية، حيث تستمد هذه الأدوات وتطورها من تراث النضال الاجتماعي المحلي ومن حاجات الناس وتطلعاتهم، لا ان تبقى هذه الحركات أسيرة التقليد والتنميط العابر للحدود، فالمجتمع السياسي اليمني أو البحريني ليس بذات المواصفات والمحددات التي يعبر عنها المجتمع النظير في مصر أو فلسطين.

   أما الأزمة الثالثة التي تكشف عنها حالة الانحسار الراهنة وما يرتبط بها من تداعيات تبدو في مرجعيات هذه الحركات واحتكامها إلى ذهنية الطليعة والنخبة المركزية المحتكرة للخطاب وأدوات التعبير، والتي تصر على التمسك بموقع فوق سلطة الناس التي جاءوا باسمها، فلقد تاب الناس في العالم العربي عن الايمان بدور الطليعة السياسية، كما قدمتها الأحزاب والحركات والتنظيمات السياسية خلال العقود الماضية، في حين تجسدت بعض ملامح ذهنية الطليعة النخبوية في سلوك وتعبيرات بعض الحركات الاحتجاجية مقابل ظهور فجوة وأزمة ثقة بين برنامج التغيير الشعبي - الذي أبرزته النضالات الاجتماعية- والمعني بقضايا الفقر والبطالة ومحاربة الفساد والتهميش والعدالة الاجتماعية، وبين برامج الحركات الاحتجاجية التي عادت إلى الشعارات واستثمار وسائل الدعاية والإعلام وشبكات الإنترنت لإيصال صوتها احياناً إلى العالم في الخارج قبل ان تصل القرى والحارات والبوادي في عرض المدن والصحارى العربية.

   تحتاج حركات الاحتجاج العربية إلى المزيد من الجدية في الالتصاق بالناس، حتى تستطيع ان تجد القواعد التي تحمل مشروعها وتدافع عنه، لا ان تفشل في تجميع ألف متظاهر، كما حدث في أكثر من عاصمة عربية، وهو الأمر الذي يفسر تراجع هذه الحركات امام أول موجة مضادة من قبل السلطة حينما وجدت هذه الحركات نفسها وحيدة في شارع خالٍ ومظلم.

   وإذا كانت هذه بالفعل نهاية هذه الظاهرة من التعبير السياسي العربي المعاصر، بالطبع بمعزل عن حركات الاحتجاج السياسي الإسلامي، فإننا امام مرحلة أخرى من الاغتراب على المستوى المجتمعي والفردي تشير إلى تفاقم ظاهرة اللامبالاة السياسية، والمزيد من الصراعات الاجتماعية والسياسية، وربما عودة شكل جديد لهيمنة المؤسسات العسكرية والأمنية، مقابل تقدم حركات الاحتجاج الإسلامية وخسارة المثقفين والمجتمعات المدنية لمعركة الإصلاح ودمقرطة المجتمعات العربية.

[email protected]