نوع من الفنون والتخمين

 

للأرقام سحرها الخاص، وتأثيرها الفريد؛ فيكفي أنْ تقول مثلاً إن الإنفاق الحكومي السنويّ على الطالب الجامعي في الأردن (تقرير المعرفة العربي 2009) يبلغ 800 دولار، بينما هو في إسرائيل 10.000 دولار، لتكون بذلك فتحتَ ملفا أو ملفات مهمة دفعةً واحدة حول كفاية الدعم الحكومي الأردني للجامعات أو عدم كفايته، وحول المقارنة بين البحث العلمي والتعليم العالي في الأردن وإسرائيل وواقع الجامعات في البلدين، وطبيعة الخدمات التربوية والعلمية المقدّمة فيهما... إلخ.

اضافة اعلان

ويكفي أنْ نذكر (على ذمة الأستاذ جورج طرابيشي) أنّ العالم العربي الذي يشكّل 5% من سكان الأرض ينتج أقل من 1% من الكتب في العالم، وهو في الوقت ذاته ينتج ثلث الكتب الدينية التي تصدر في العالم!!. وإذا صحّت المعلومة فإنها تفتح بابا واسعا للنقاش حول الواقع الثقافي العربي والإنتاج العلمي والمعرفي، ومدى انتشار الكتاب في العالم العربي، ونوعية الكتب الأكثر مبيعا، ناهيك عن التساؤل حول طبيعة الخطاب الذي ينطوي عليه الكتاب الديني، وتأثيره في صناعة وعي زائف أو متقدم بالواقع والعالم والعصر... إلى غير ذلك من الأسئلة ونوافذ النقاش التي يفتحها رقم ما، مع الاهتمام بالتأكد من صدقيته وعلميته.

وكلما صدر تقرير عربي أو دولي  للتنمية البشرية أو لواقع المعرفة في المنطقة العربية أُصِبنا بالدهشة وأحاطتْ بنا المفاجأة. وهذه الدهشة ليس مردّها فقط حجم المشكلات العربية التي تكشف عن تفاصيلها الأرقام والإحصاءات الواردة في تلك التقارير، بل أيضا لأنّ تلك المعلومات تصدمنا باستمرار بحقيقةِ أننا نجهل واقعنا ومحيطنا الذي نتحرك من خلاله.

والمؤكد أنه لا يتم التعرّف الجيّد على واقع المجتمع الذي نعيش فيه وعلى العالم من حولنا والتصدي لتحدياته من خلال الانطباعات، بل  عبر بيانات ومعلومات موثقة تؤسس بعد تحليلها لمعرفة تكون عونا لقراءة واقعنا والارتقاء به واستشراف المستقبل. أيْ من دون معلوماتٍ يبقى الوعي بأنفسنا وواقعنا ناقصا ومشوّهاً.

المشكلة أنّ أكثر الأرقام المتاحة عربيا هي أرقام اقتصادية، فيما المجالات السياسية والاجتماعية والثقافية والفنية تعاني نقصا حادّاً في البيانات الإحصائية والمعلومات. ولعلّ هذا ما يفسّر، مثلا، مدى الاهتمام الأردني باستطلاعات مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية ( لماذا لا يكون في كل جامعة أردنية مثل هذا المركز؟)، الذي يسدّ نقصا كبيرا في التعرف على واقعنا ورأي الناس في الانتخابات والبرلمان والحكومة والمشاركة السياسية والأحزاب... إلخ.

وقد لفتتْ صحيفة "فايننشال تايمز" (7/1/2010) في تقرير لها إلى أنه في ظل غياب وجود حكومات منتخبة ديمقراطيا في المنطقة العربية، فإنّ محاولة إدراك ما تفكّر فيه شعوب العالم العربيّ تعدّ نوعاً من الفنون أو مجرد عمل تخمينيّ، وليس عملاً مبنيا على علم من العلوم. ووفقا للصحيفة فإنّ مجموعات استطلاعات الرأي العام تكشف النقاب عن الكثير من تفاصيل وجهات النظر العربية.

لا معلومات أو بيانات علمية أولية شائعة عن موقف المواطن العربي من كثير من المسائل: عملية السلام والمفاوضات، برامج الخصخصة، الفضائيات العربية، العلاقات العربية ـ العربية، السينما العربية، الغناء العربي، الألعاب الرياضية الأكثر تفضيلا. هل الزواج التقليدي هو السائد عربيا أم الزواج القائم على المعرفة المسبقة والحب؟ ما نسبة الإناث العربيات اللواتي يحرمن من الميراث؟. ما تأثير المسلسلات التركية المدبلجة في دعم الاقتصاد التركي خلال العام الماضي؟ ما تأثيرها على تحسين صورة تركيا شعبيا في الأردن مثلا؟

وربما تكشف هذه الأسئلة العشوائية عن وجود حالة تطابق بين غياب المعلومة وغياب الفهم الكافي بالواقع والمحيط، ووجود حالة تطابق أيضا بين الوعي الناضج والمعرفة الدقيقة وتوافر المعلومات والبيانات وكثرة استطلاعات الرأي حول جوانب حياتنا المختلفة اجتماعا وفنونا وثقافة واقتصادا وسياسة وترفيهاً.