هجوم دبلوماسي مطلوب

    إعلان الاردن عن الحاجة لإعادة صياغة مبادرة السلام العربية، التي تبنتها قمة بيروت في مارس 2002، هو ليس فقط صحيحا وإنما حاجة ضرورية تقتضيها التطورات التي حصلت على المسار الفلسطيني ، وبعد التغير الكبير الذي حصل على الأداء السياسي الفلسطيني، بدون شك،  فقد نسي العالم تلك المبادرة العربية التي أخفقت الاطراف العربية في متابعتها. بل يمكن القول أن دولا عربية رئيسية، وإن وافقت عليها، لم تعمل إطلاقا على دفعها للأمام. والكل يتذكر أن الدولة الوحيدة التي عملت جاهدة من أجل دفع تلك المبادرة للامام هو الاردن.

اضافة اعلان


    ولم يتعد جهد الدولة التي جاءت بالفكرة، وهي السعودية، العمل على إقناع الدول العربية على تبني المبادرة. فالامير عبدالله بن عبدالعزيز كان يخشى ضغوطات أمريكية محتملة لاحداث اصلاحات حقيقية في نظام التعليم السعودي، بعد ان اشتدت الحملة الإعلامية على السعودية في الاعلام الامريكي.


    ومن هنا هدفت السعودية للظهور بمظهر من يريد ان يحدث تغييرات اقليمية تعجب الامريكان وتساهم في اعادة الاستقرار للمنطقة. فالتفكير السعودي كان قائما على شراء الوقت والعمل على خلط الاجندات الاقليمية وقد أدت هذه المبادرة غرضها بالنسبة للسعودية. وبقيت مهمة شرح المبادرة للعالم الخارجي ملقاة على عاتق الأردن الذي استطاع التأثير على ادارة بوش عندما أقنعه الملك عبدالله في الاول من تموز 2002 على ضرورة تضمين المبادرة العربية في ديباجة خطة خارطة الطريق.


     ولم تتحمس مصر آنذاك للمبادرة العربية وذلك لاسباب كثيرة الا ان اهمها هو ان المبادرة لم تكن فكرة مصرية ومن هنا جاءت حساسية الموقف الزعامي المصري ليؤثر على دعم مصر الحقيقي للخطة إذ اكتفت مصر آنذاك بالتأييد اللفظي. والموقف السوري معروف وهو دائما متشكك من مبادرات مماثلة.


    ويمكن القول ان الظروف مختلفة الان اختلافا كبيرا. فقد استطاع الرئيس الفلسطيني ابو مازن ضبط العمل الفلسطيني واستطاع مؤخرا من الزام الفصائل الرئيسية في هدنة حتى نهاية هذا العام. وبالتالي فإن اسرائيل ستخسر حجة ان الطرف الفلسطيني يمارس "الارهاب". ونلحظ أن ثمة ديناميكية جديدة بدأت تتحرك هذه الأيام في السياسة الاسرائيلية الخارجية والداخلية كما ان الموقف الامريكي أصبح أكثر انتقادا للسياسات الاسرائيلية. كما ولا يمكن التقليل من أهمية الرغبة الامريكية في إحداث تقارب مع الاوروبيين الذين يصرون على ضرورة احلال السلام في الشرق الاوسط.


    وحتى قبل المبادرة العربية، أطلق جلالة الملك عبدالله الثاني تصريحات بان على العرب ان يعلنوا استعدادهم لتقديم الضمانات الأمنية لاسرائيل اذا ما أبدت الاخيرة استعدادا للانسحاب من الاراضي الفلسطينية المحتلة. ومن هنا فان اية مبادرة جديدة او اعادة صياغة المبادرة العربية يجب ان تركز على طمأنة اسرائيل بان أمنها لم يعد مهددا، وعلى العرب مرة أخرى ان لا يكتفوا بالقول ان شارون، كما كان نتنياهو، يتحجج بالعامل الامني للتملص من استحقاقات السلام، فهذا الكلام، وان كان صحيحا الى درجة كبيرة، يغفل حقيقة ان اسرائيل لا تشعر بالأمن في المنطقة العربية.


    ومن هنا فان اية مبادرة او اعلان لا يبين فهم العرب لحساسية الاسرائيليين لامنهم لن يلقى أذانا صاغية داخل اسرائيل. الصياغة الجديدة يجب ان تكون موجهة الى الراي العام العالمي ولكن وبنفس الاهمية يجب ان تكون موجهة للشارع الاسرائيلي. علينا ان نفهم مرة أخرى ان الراي العام الاسرائيلي مهم وليس كالرأي العام العربي الذي لا يشكل عاملا مقيدا في السياسة الخارجية العربية.