هل حل جماعة الإخوان هو "الحل"؟

تستحق الدعوة التي أطلقها د. عبدالله النفيسي، وما تلاها من تعقيبات وجدل، وقفة مناقشة موضوعية بعيداً عن قصة تسجيل المواقف أو الأفكار المسبقة المعلّبة. ومن الخطأ الوقوف عند "المثال القطري" الذي ضربه النفيسي (في نجاح حل جماعة الإخوان) أو عزل فكرة "الحل" عن السياق الذي تحدّث به الرجل، وكأنها فكرة نزلت من الفضاء أو نبت شيطاني في أرض خلاء! فما قام به النفيسي – كعادته- هو تفكير بصوت مرتفع دون أن يخشى ردات الفعل المتوقعة والمحاكمة الجاهزة التي تتم بحقه.

اضافة اعلان

دعوة النفيسي تنطلق من مدخل واحد واضح وهو النقد الذاتي في الحركة الإسلامية، فهو وإن خرج من الإخوان إلاّ أنه لا يزال محسوباً على التيار الإسلامي ليس في الكويت فقط بل في العالم العربي والإسلامي، وقد سبق للنفيسي أن كتب مقالات متعددة في هذا الشأن وأصدر كتابين اثنين، الأول بعنوان الحركة الإسلامية رؤية مستقبلية (أوراق في النقد الذاتي)، عام 1989، وقد مثّل الكتاب سبقاً فكرياً داخل الحركة الإسلامية (بالتحديد الإخوان) في عملية النقد الذاتي العلني، وشارك فيه أقطاب الإخوان في العديد من الدول العربية والإسلامية وغيرهم من المفكرين الإسلاميين. أمّا الكتاب الثاني فهو "الحركة الإسلامية ثغرات في الطريق"، وهو عبارة عن مجموعة مقالات كان قد نشرها النفيسي سابقاً ثم جمعها في كتاب عام 1992.

في الكتابين السابقين، كما هو الحال في دعوته الجديدة، كان هاجس النفيسي الارتقاء بالعمل الإسلامي وتطويره وإنضاجه لمواجهة التحديات المختلفة التي تحيط بالشعوب والمجتمعات العربية، وهو في ذلك يسير في خطوة متقدمة على كثير من القيادات أو المثقفين والمفكرين الإسلاميين الذين يدفنون رأسهم في الرمال، ويتعاملون مع كل المحاولات النقدية، حتى وإن كانت صحيحة، من منطق المؤامرة، أو التشكيك وسوء الظن.

وقد سمعت مفكراً محسوباً على الإسلاميين يقدم نقداً مهماً لخطاب الحركات الإسلامية فكرياً وسياسياً، ولمّا سألته عن عدم نشره هذا النقد أجاب أنه يقف "على ثغور الحركات الإسلامية"، ولا يتورط في مشكلاتها الداخلية! في الحقيقة الرد لم يقنعني، فالوقوف على الثغور، من جهة، لا يتناقض مع النقد الذاتي، بل هو متكامل معه، كما أنّ الحركات الإسلامية ليست جزرا مستقلة عن المجتمع، بل هي جزء منه يصيبها ما يصيب المجتمع من أمراض وأزمات، يؤدي السكوت عنها إلى استفحالها وتجذرها، كما هو واقع اليوم.

السبب الرئيس الذي يقف وراء ضعف النقد الذاتي في جماعة الإخوان، بالتحديد بالمشرق العربي، ليس الخوف على وحدة الجماعة، بل الخوف على المصالح الخاصة أولاً، ولوجود حرس قديم ومصالح متراكمة وأفكار جامدة تمنع النقد والتجديد داخل الحركة الإسلامية، بل وتضطهد كل المحاولات الإصلاحية الجادة والشبابية، وليس غريباً أن يكون مصير تلك المحاولات الإصلاحية والمثقفين والمفكرين والعقول المتفتحة هو الخروج من رحم الجماعة. وليس سرّاً أنّ عملية تشويه كبيرة داخلية تتم بحق من يختلفون مع الجماعة ويخرجون منها.

في المقابل؛ لا يمكن تجاوز الدور الرائد الذي قامت به جماعة الإخوان في العديد من الدول العربية على صعيد التربية الأخلاقية والخدمة الاجتماعية والعطاء الثقافي والدعوي؛ لكن "الإخوان" لم يعودوا جماعة صغيرة منغلقة على نفسها تعمل في التربية الذاتية، بل أصبحت القوة الشعبية الكبرى في كثير من الدول العربية والإسلامية، وتعاني اليوم من أزمات حقيقية في الداخل، أبرز ملامحها: الجمود الكبير والحساسية المفرطة لكل محاولات الإصلاح والتجديد الداخلي؛ وكأن بعض الآليات والتقاليد الإخوانية أصبحت مقدسة لا يجوز المسّ بها، وهنالك ثقل في حركة الجماعة وبطء في استجابتها للمؤثرات والتحديات المختلفة، مع تفاقم أزمة القيادة وصراع الأجيال وتكدس طاقات الشباب وتعطيلها تحت وطأة التنظيم وحالة "العسكرتاريا" الخفية التي لا يزال يعيشها الداخل الإخواني، مع تحول شعور أعضاء الجماعة من كونهم تياراً نهضوياً داخل المجتمع إلى فصيل سياسي في صراع مع السلطة أو الأحزاب الأخرى.

سيرد كثيرون - على هذا القول- بحجج مختلفة أبرزها صعود الإخوان في السنوات الأخيرة والتطور الفكري الذي حصل في الجماعة. هذا الرد على وجاهته لا ينفي الأزمة الكبيرة داخل الإخوان، وإنّما يعكس الشروط الموضوعية التي تخدم الإخوان وفي مقدمتها ضعف الحكومات العربية وأزمة الشرعية الخانقة التي تعاني منها وتلاشي مصداقيتها لدى الجمهور من ناحية، وانتشار حالة من التدين تستثمرها جماعة الإخوان في المجال السياسي جيداً بمخاطبة عواطف الناس الدينية الجياشة من ناحية أخرى، وضعف القوى السياسية الأخرى من ناحية ثالثة. أمّا تطور الإخوان فكرياً، فقد جاء متأخراً كثيراً، وليس استجابة للأصوات الإصلاحية الداخلية بقدر ما هو نتاج ضغط التحولات السياسية والتطور التاريخي.

لا يقصد د. النفيسي بحل جماعة الإخوان التخلص من المشروع الإسلامي في ذروة صعوده، ولا تصب دعوته في رصيد الحل الأمني الرسمي العربي ضد الإسلاميين. لكن الفكرة باختصار هي إذا كان إصلاح جماعة الإخوان داخلياً وتطويرها أصبح من الصعوبة بمكان؛ فلماذا الإصرار على التنظيم وتقديسه، لم لا تحل الجماعة وتستبدل بحزب أو مؤسسات أخرى تحمل خطاباً جديداً وقدرة أكبر على التفاعل مع الواقع، وتتخلص في الوقت نفسه من كثير من الآفات التي ابتليت بها جماعة الأخوان مع تقادم السنين!

قد لا نتفق بالضرورة مع دعوة د. النفيسي بحل الجماعة، لكن لا بد أن تؤخذ في فضاء التفكير الحر في الهواء الطلق، وفي سياقها الصحيح من تعثر محاولات الإصلاح الداخلية ووصولها إلى طريق مسدود مع استفحال الأزمات والأمراض في بنية الجماعة، ورفض النقد والتعالي عليه. أمّا المسارعة إلى رفض دعوة النفيسي والاستسلام للمنطق السطحي والردود المعلّبة الجاهزة فذلك لا يخدم الجماعة بل يضرها، لأنّ قادة الإخوان هم أكثر الناس دراية ومعرفة بمدى الأزمة الداخلية وحجمها.

[email protected]