هل خرج الأردنيون عن طورهم؟

من يجرؤ، داخل مراكز القرار وخارجها، على الادعاء بأنّ الأوضاع الحالية في البلاد طبيعية؟! لا يمر يوم إلاّ نقرأ، ونشاهد (فيديوهات) عن العنف الذي يضرب المجتمع والسلم الأهلي.اضافة اعلان
التطور الذي لفت انتباه المراقبين في الأسابيع الأخيرة هو أنّ حالة الغضب والاحتقان تجاه الدولة تتمركز اليوم في محافظات الشمال؛ إذ انفجرت فيها المسيرات السياسية بالتزامن مع الاحتجاجات الاقتصادية والاجتماعية والخدماتية، ولم تعد مسألة محدودة بقدر ما أصبحت ظاهرة كبيرة.
قبل ذلك، كانت الطفيلة عنوان التمرد ورفع السقوف والاحتجاج. وما يزال حيّ الطفايلة في عمان يشهد مسيرات شبه يومية ليلية في السياق نفسه. وكذلك بعض مناطق الوسط على خلفيات متعددة، منها خدماتية مرتبطة بالمياه، ومنها احتكاكات مع الأمن والدرك.
صحيح أنّ أحداث الشغب ليست أمراً جديداً بالمطلق على الشارع الأردني، وصحيح أيضاً أنّ هنالك أسبقيات حدثت في هذا الصدد، لكن الجديد والاختلاف الجوهري والنوعي هو أنّ التمرد والتململ والتحول من العنف الاجتماعي والمجتمعي إلى الاشتباك مع الدولة وإلى أحداث شغب أصبحت مشهداً يومياً وحالة طبيعية تطغى على عناوين الأخبار، وتحدد الصورة الحالية لطبيعة العلاقة مع الدولة اليوم.
لا يكاد يمر يوم إلاّ وأخبار إحراق أكشاك للشرطة أو اعتداء على الدفاع المدني أو إغلاق شوارع أو مواجهات مع الدرك تغرق الصحف والمواقع الإخبارية، يضاف إلى ذلك استسهال اللجوء إلى العنف واليد والسلاح، حتى أصبحنا حديث الإعلام العالمي بعد الحلقة الشهيرة التي رفع فيها نائب حالي السلاح (على الهواء مباشرة) في وجه نائب سابق!
لماذا خرج الأردنيون عن طورهم وكأنّنا أمام مجتمع آخر يلجأ مباشرة إلى اليد والعنف؟! سؤال يطرح بقوة من النخب المثقفة والسياسيين المصدومين من هول المشهد الحالي؟! وهو سؤال بالضرورة يقود إلى أسئلة أخرى عن اليوم التالي لهذا الانفلات؛ حالة العنف والتمرد والاحتجاج، إلى أين تسير بنا؟!
الدلالة الأكثر خطورة وأهمية التي تغطس وراء هذا المشهد تتمثل ليس في فقدان هيبة الدولة لدى المواطنين، كما هو التوصيف الرسمي المعتاد، بل في فقدان احترام الدولة وانهيار صورتها وانكسار سلطتها الأخلاقية في أعين المواطنين، وهذا هو الأهم، وهو ما يتطلب منا دراسة معمّقة دقيقة، بحيث لا نكتفي بأجوبة معلّبة جاهزة، ليحاول كل مسؤول أو سياسي إلقاء المسؤولية عن كاهله على الآخرين، بينما نحن نغرق في ظلام من العنف والغضب يهدد بجرفنا نحو سيناريوهات غير معروفة!
أخطر ما في الأمر أن يعيد مطبخ القرار تعريف الأزمة الحالية بوصفها اقتصادية فقط. فإذا كان الوضع الاقتصادي ضاغطا على المواطنين، فليس هو وحده ما يفسّر هذا الانهيار في العلاقة مع الدولة، إذ إنّ الشعور بـ"المظلومية الاجتماعية"، وضياع رسالة الدولة وسط ترميم المعسكر البيروقراطي العشائري وسياسات الاسترضاء السياسية والاقتصادية، كل ذلك يشجّع الجميع على كسر القانون وعدم الاعتراف به، واللجوء إلى الشغب أو البلطجة أو العشيرة كجدار حماية ضد الآخرين.
الإصلاح السياسي ليس الحل، لكنه مفتاح مهم من مفاتيح الخروج من هذا الواقع؛ إذ كان الوصول إلى قانون توافقي، ورد الاعتبار إلى مجلس النواب ودوره وهيبته، سيساعد على التخفيف من حدة الاحتقان مع الدولة، وإعادة اللعبة السياسية من الشارع إلى قلب النظام السياسي، لكن للأسف حتى هذا الحل يصر عباقرة القرار لدينا على إضاعته، ويضربون برأي أغلب السياسيين والمراقبين والقوى السياسية عرض الحائط.