هل ضللنا الطريق؟!

كان يفترض أن تكون خطواتنا الإصلاحية نحو الربيع الديمقراطي الأردني أكثر انسيابية وثباتاً مقارنةً بدول أخرى تعاني أزمات أشد تعقيداً وأكثر صعوبة منّا، كما هي حال المغرب وتونس. للأسف، ما يحدث هو العكس تماماً، فما نزال نتخبط وندور حول أنفسنا، ونرفع الكلفة المفترضة لعبور المرحلة الانتقالية!اضافة اعلان
تؤكّد الرسائل المكثّفة على نوايا الإصلاح لدى "مطبخ القرار"، ولجان تتبع لجانا، ومؤخّراً وجبة أولى من المسؤولين برسم مكافحة الفساد. مع ذلك، فإنّ المشهد يزداد توتراً وقلقاً وتشرذماً، ونمسي بالأمس فقط على وقع إحراق مركز لجماعة الإخوان والاعتداء على مسجد. والخسارة الأليمة الأخطر هي أنّ أحد المشاركين فقد عينه، وآخر مصاب بجمجمة الرأس، وهي حوادث لم تقع في زمن الأحكام العرفية.
أخطر ما في الأمر أنّ الخلل أصبح مستوطناً في جامعاتنا. بالأمس جرى الانتقام من ناشطين في جامعة الطفيلة التقنية، ففُصل 14 طالباً بصورة نهائية، بعضهم "خرّيج"، والسبب الحقيقي هو تستر الدولة على ضعف إدارة الجامعة، في حين تمّ العفو عن عشرات الطلبة الذين شاركوا ليس في اعتصامات من أجل حقوق مشروعة، بل مشاجرات اجتماعية ودمّروا ممتلكات الجامعة، وتُرك طلبة آخرون اعتدوا على زميلاتهم الطالبات في انتخابات الجامعة الأردنية، فقط لأنّهم ضد "الاتجاه الإسلامي"!
في الوقت نفسه تتحدث الدولة عن انتخابات بلدية وأخرى نيابية مبكّرة، وعن منظومة تشريعات لترسيم الربيع الديمقراطي الأردني، وهي لأيّ مراقب تمثّل تناقضات صارخة ورسائل متضاربة لا تستوي معاً، إذ تمسي تتحدث بلغة مغايرة لتلك التي أصبحت عليها!
في وقائع عمل لجنة الحوار الوطني كان التركيز لدى أغلب الزملاء على لجنتي الانتخاب والأحزاب، فيما اتجهت أنا وبعض الأصدقاء إلى ما سمي بلجنة الديباجة، لوضع الوثيقة المرجعية للإصلاح السياسي، وهي الوثيقة التي اعترض عليها البعض بذريعة أنّها تجاوزت الأهداف المطلوبة.
كان رأينا –وما يزال- أنّ تلك الوثيقة أهم من مشاريع القوانين المقترحة، لأنّها بمثابة رسالة واضحة، المقصود منها الوصول إلى تأكيد على أنّنا أمام "نقطة تحول" بنيوية في الحياة السياسية، فالمرحلة المقبلة ستختلف جذرياً عن السابقة، وعلى مؤسسات الدولة والمواطنين معاً التعامل مع هذا الواقع الجديد.
تناولت الديباجة المبادئ الأساسية التي ينبغي أن تحكم الحياة السياسية في البلاد، وهي بمثابة الخطوط العامة للعقد الاجتماعي الجديد المطروح؛ وأهم هذه المبادئ تتمثل في أنّ المستقبل هو لدولة المواطنة فقط، ولسيادة القانون وتكافؤ الفرص، ولأولوية التعليم وأهمية إنقاذه وللعدالة الاجتماعية، ولتحديد عمل الأجهزة الأمنية ضمن اختصاصاتها وعدم تدخلها في الشأن العام، وهو ما يعني تبعاً لذلك إلغاء الموافقات الأمنية وشهادات حسن السلوك السياسي.
تطرقت الوثيقة إلى تشكيل الحكومات وفقاً لقاعدة الأغلبية النيابية، وحماية حقوق الإنسان وصون حرياته وكرامته بوصفها خطوطاً حمراء لا يجوز الاعتداء عليها ويكفل القانون حمايتها، بالإضافة إلى التعديلات الدستورية.
بالطبع، أهملت الدولة تلك الوثيقة أو تعاملت معها بروح انتقائية جزئية سطحية، ولم تلتفت إلى الغاية الرئيسة منها بصيغتها الكلية المجملة؛ وهي تحديد المبادئ المرجعية للحياة السياسية وتعريف رسالة الدولة السياسية بصورة قطعية واضحة، لا ضبابية أو ارتجال فيها.
على النقيض من ذلك، استمر الغموض والارتباك والاضطراب يهيمن على رسالة الدولة ونواياها، والتضارب في مواقفها، وكأنّ الدولة تنقض غزلها بنفسها، وتسبب الإرباك للجميع، ما يفقدنا البوصلة والخريطة الحقيقية للطريق، ويجعل الجميع تائهاً، فلا المسؤول ولا السياسي ولا المعارض ولا الإعلامي يمكن أن يجزم بوجهة الدولة ورسالتها السياسية اليوم!