هل كان اختبارا لأوباما؟

 أي تدخل أميركي لمصلحة الإصلاحيين سيعني تقوية لمواقف المحافظين والمتشددين في إيران وإضعافا للإصلاحيين والمعتدلين

من خلال رد فعله المتمايز عن رد فعل العواصم الأوروبية (برلين/ باريس / لندن) تجاه الأزمة الإيرانية الحالية، بدا الرئيس الأميركي باراك أوباما مصرّا على أن استراتيجيته تجاه فتح الحوار مع إيران، والسعي بشدة لعدم إصدار أي تصريحات أو مواقف من شأنها تخريب مسعاه أو إفساد توجهه  إزاء الجمهورية الإسلامية. لكنّ الأحداث الأخيرة في إيران عقّدت هذا المسعى، إذ يتعرض أوباما يوميا لضغوط داخلية تدفعه باتجاه اتخاذ موقف يدين فيه ما تفعله الحكومة الإيرانية، وهو ما لم يفعله أوباما، مكتفيا بمناشدته ضرورة إعطاء المتظاهرين الحق في التعبير وعدم ممارسة العنف ضدهم، وهو قلق مخفف اللهجة، ويبتعد عن الحدية و"التدخل" لمصلحة طرف ضد آخر.

اضافة اعلان

والحقيقة أن الموقف الأميركي ينطوي على تعقيدات وتناقضات والتباسات، كشف عنها التباين في التصريحات والمواقف؛ إذ اتسم موقف الكونجرس من أزمة الانتخابات في إيران بالحدّة والانحياز إلى جانب المتظاهرين، فيما صدرت تصريحات عن نائب الرئيس الأميركي جوزف بايدن، تحدث فيها عن تزوير الانتخابات، وهو موقف اقترب من موقف الكونجرس، إلى أنْ أعاد البيت الأبيض سريعا ضبط الأمور باتجاه بلورة موقف الإدارة الأميركية مما يجري في إيران ضمن الخطوط التالية:

أولا، الاتجاه إلى أن ما يجري في إيران شأن داخلي، يتم تحت سقف النظام، وأن مواقف المرشحين للانتحابات ليس فيها تباينات فيما يتعلق بشرعية النظام والأسس التي يقوم عليها. وقد اعلن أوباما صراحة أن ما يحدث في إيران هو قضية إيرانية وليس قضية الولايات المتحدة.

ثانيا، إدراك أن أي تدخل أميركي لمصلحة الإصلاحيين سيعني (على خلفية فقدان الثقة والشك التاريخي بين واشنطن وطهران) تقوية لمواقف المحافظين والمتشددين في إيران، وإضعافا بالتالي للإصلاحيين والمعتدلين، وإلصاق التهمة بهم في صفوف مؤسسات الحكم في إيران بأنهم عملاء للغرب، وموجّهون من قبل "الأعداء" و"المستكبرين" الذين يريدون تفكيك النظام الإسلامي والقضاء عليه.

ثالثا، أن التدخل الأميركي سيعني إفسادا  لمساعي الحوار التي أطلقها أوباما تجاه إيران، كما أن من شأن هذا التدخل القضاء على أي بوادر لخلق الثقة بين طهران وواشنطن من أجل بناء أسس لحوار استراتيجي حول العديد من الملفات والقضايا المعقدة بين الطرفين.

رابعا، لم تعتمد إدارة أوباما في مواقفها الحديث عن "تزوير"؛ ذلك أن مثل هذا الأمر ما يزال من الصعب الوثوق بأنه قد تمّ، أو الجزم بحصوله. وفي هذا تمايز عن مواقف باريس وبرلين اللتين اندفعتا إلى التصريح بأن تزويرا قد حدث، وأن الحل في إلغاء الانتخابات.

خامسا، إن مواقف أوباما وإدارته من أزمة الانتخابات الإيرانية كانت بمثابة اختبار لاستراتيجية أوباما تجاه إيران، وعلى وجه الخصوص، شقها الجوهري المتعلق بإعلان هذه الإدارة أن مساعي تغيير النظام في إيران ليس في وارد التوجهات والنوايا الأميركية. وموقف أوباما بعدم التدخل والوقوف على الحياد "المطعّم" بشيء من الإيجابية، إنما أكسب هذه الاستراتيجية شيئا من الصدقية، حيث كانت الفرصة متاحة لإثبات أن الحديث عن عدم نية تغيير النظام أو دعم معارضيه من قبل واشنطن، ما هو إلا  شعار يرفع ومناورة، لكن ما حدث حتى الآن هو أن الإصرار على أن تغيير النظام في إيران ليس على الأجندة الأميركية في ظل أوباما، ما يعني ان إدارته اجتازت اختبارا قاسيا، عكس جديتها.

وعلى حين اتسم الموقف الإيراني تجاه لندن وبرلين وباريس بالشدة والحدية واتهام هذه العواصم بمحاولة "تفكيك النظام" في إيران ودعم المتظاهرين، اقتصر الموقف الإيراني من واشنطن  تقريبا بانتقاد الدور الإعلامي الذي لعبته إذاعة "صوت أميركا" المدعومة من الكونجرس في تغطية الأحداث، والدعوة لعدم تحريض المتظاهرين.

من الصعب حاليا التكهن بمدى تأثير أزمة الانتخابات الإيرانية على مجريات أي حوار أميركي ـ إيراني محتمل أو مرتقب، لكنّ سلوك أوباما وإدارته تجاه هذه الأزمة يغري بالميل إلى أن ضررا جوهريا بفرص إجراء هذا الحوار لم يحدث، والأيام المقبلة ستكشف مدى دقة هذه المقاربة من عدمها.

[email protected]