هل لم يعد العراق أولوية أميركية؟

قبل أيام، قال رئيس الوزراء العراقي الأسبق إياد علاوي لقناة "سي إن إن" إن العراق لم يعد على رأس أولويات واشنطن التي تنظر حالياً في ملفات أخرى، بينها أفغانستان والأزمة المالية العالمية والأوضاع في الأراضي الفلسطينية. وأضاف "أن على أميركا ترتيب أولوياتها بالشكل الصحيح عبر إيلاء المزيد من الاهتمام للعراق بسبب دوره في استقرار المنطقة، دون إغفال الملف الفلسطيني". وقال علاوي إن "الولايات المتحدة لا يجوز أن تنظر إلى العراق على أنه بلد أنجزت فيه مهامها وبات بوسعها تركه دون مصاعب".

اضافة اعلان

التوجس من تبعات الانسحاب الأميركي من العراق، في غياب استقرار يفتح (أي الغياب) البلد على احتمالات صعبة، يدفع الكثيرين للتساؤل عما إذا كانت الحسابات الأميركية تنظر بجدية إلى مثل تلك الاحتمالات والهواجس، التي دفعت دول جوار العراق أيضا للدخول بقوة أكثر في الآونة الأخيرة على المسألة العراقية سواء بشقها السياسي أو بشقها المتعلق بالجانب الأمني، حيث تبني السعودية مثلا سياجا أمنيا لحماية حدودها مع العراق، كما أعلن رئيس الوزراء التركي، رجب طيب أردوغان، أن بلاده تسعى استعدادا للانسحاب الأميركي إلى تشكيل قوة خاصة للمرابطة على الحدود مع العراق لمنع المتمردين الأكراد من التسلل إلى بلاده.

لكن الإدارة الأميركية مصرّة على الانسحاب وضمن الموعد المحدد. والمقاربة الأميركية للانسحاب من العراق تقوم على حيثيات وركائز عدة منها:

أولاً، أن واشنطن ترى أن قوات الأمن العراقية تنمو عددا وقدرة، وقد قامت وحدها في الشهور الأخيرة بتنفيذ مهمات أمنية واسعة ونجحت فيها. من هنا يأتي خفض عديد القوات الأميركية في العراق مع بداية أيلول (سبتمبر) المقبل إلى 50 ألف جندي، منسجما مع فكرة التوجه نحو تركيز أقل على المهمات القتالية لمصلحة التركيز الأكبر على محاولة بناء المؤسسات الأمنية والسياسية والاقتصادية العراقية. وقد دعا الجنرال ريموند أوديرنو، قائد القوات الأميركية في العراق، إلى إقامة مكتب للتعاون العسكري ضمن السفارة الأميركية في بغداد لمواصلة العلاقة بين البلدين بعد 31 كانون الأول (ديسمبر) 2011، معبّراً عن شكوكه في أن تطلب الحكومة العراقية بعد ذلك التاريخ وجود قوات برية أميركية، مع أن الاتفاقية الأمنية بين البلدين تترك ذلك الاحتمال مفتوحا.

ثانيا، أكدت وزيرة الخارجية الأميركية، هيلاري كلينتون، في تقديرها للانسحاب من العراق بقولها: "قواتنا ستنسحب، إنما مصالحنا ستبقى، ونحن ملتزمون بالعلاقة الاستراتيجية بين واشنطن وبغداد". وبموجب قرار رئاسي، صادق الرئيس الأميركي قبل أسابيع على قرار بإنشاء منظمة تعرف بـ"دائرة العلاقة الاستراتيجية مع العراق"، تابعة لوزارة الخارجية الأميركية، لتسهيل الشراكة الاستراتيجية بين البلدين بدلا من علاقة اعتماد عراقي على الولايات المتحدة.

ثالثا، إن الإصرار الأميركي على الانسحاب من العراق إنما يرتكز على أن الولايات المتحدة بأمسّ الحاجة اليوم إلى تخفيف العبء الواقع على جيوشها الممتدة حول العالم.

رابعاً، إن الانسحاب الأميركي من العراق في الموعد المحدد ينسجم مع الاستراتيجية الأميركية الجديدة للأمن القومي التي كُشف عنها في أيار (مايو) الماضي. وقد أكدت الوزيرة كلينتون وقت الإعلان عنها أن "الجيش الأميركي أصبح يدرك محدودية استخدام القوة". ورأت أن "أحد الأخطاء التي ارتكبت خلال عهد الحكومة السابقة هو أننا عَسْكرنا الوجود الأميركي في مناطق الصراع". وأكدت أن "الولايات المتحدة لا تستطيع الاستمرار في عجزها المالي وديونها الحالية دون فقدان النفوذ وخيارات صنع القرار". هذا يعني أن واشنطن ترى أن عدم انسحابها من العراق عائق كبير أمام مصالحها مع هذا البلد، وتطوير العلاقة المستقبلية معه. وغالبية العراقيين ما يزالون غير متقبلين لتطوير هذه العلاقة في ظل الاحتلال.

[email protected]