هل هزمت أميركا في العراق

لم يعلن أوباما أن" المهمّة أُنجزت" بالانسحاب، مثلما أعلن سلفه بوش في استعراض هوليوودي على ظهر بارجة راسية في الميناء "أن المهمة انجزت" باحتلال العراق. فبعد وقت يسير من إطاحة جيش صدام كانت القوات الأميركية تنشغل بحرب غريبة ومرعبة أفسدت على بوش زهوه بالنصر.

اضافة اعلان

لم يكن انسحابا مشرفا، وهو بالطبع ليس كاملا، فقد بقي 50 ألف عسكري أميركي بعد رحيل "الوحدات القتالية"، وهي تمثل في العادة نصف افراد الجيش. ليس انسحابا مشرفا لأنه التزام بالخلاص من المستنقع العراقي بأي ثمن، وبغض النظر عمّا ستؤول إليه الأوضاع في العراق. وقد لا تكون هذه الإدارة مسؤولة عن قرار الاجتياح والكوارث التي ألحقها الاحتلال بالعراق، لكنها ترث المسؤوليات عن كل قرار اتخذته السلطات المسؤولة في أي وقت سابق، وهي تتحمل مسؤولية أي اندلاع جديد للعنف بعد الانسحاب.

احتفت الإدارة بصورة ما بالانسحاب كدليل على مصداقية الرئيس في الوفاء بالتزامات وتعهدات قطعها خلال الحملة الانتخابية، لكنه مرّة أخرى ليس التزاما ووفاء مشرفا؛ فعلى الإدارة مسؤوليات والتزامات ليس فقط تجاه الأميركان الذين لا يرون لهم مصلحة أو سببا في مواصلة التضحية بأبنائهم وبأموالهم في هذا المكان من العالم، بل أيضا هناك مسؤوليات والتزامات تجاه البلد المحتل وأهله؛ فأميركا هي التي أطاحت السلطة القائمة منذ عقود، من دون طلب شرعي من أحد، وهي جلبت فئات بعينها على ظهور الدبابات، ويعتقد ان هذه المجموعات هي المسؤولة عن حملة الحرق والتدمير والنهب. والاحتلال هو الذي أتى بقادة العراق الجدد، وهو الذي فتح حدود العراق مشاعا للدخول والخروج بما في ذلك دخول آلاف مؤلفة من "الإرهابيين"، وبالنتيجة هو المسؤول عن الإرهاب الذي اجتاح العراق ودمر المجتمع وألحق أذى غير قابل للإصلاح لعشرات السنين.

رغم بقاء 50 الف جندي ( سيجري سحبهم تدريجيا حتى نهاية 2011)، يمكن القول إن الاحتلال العسكري قيد الزوال؛ فهل نحتفل؟! أنا شخصيا لا أشعر بأي دافع للاحتفال، ولا أعتقد أن العراقيين ابتهجوا بالحدث، مع أن قيادة الحكومة حاولت أن تضفي أجواء احتفال استقلالي عليه. واقع الحال أن أميركا لم تعد تسيطر على العراق منذ زمن، فهي كانت تعمل بصورة غبية لصالح أطراف أخرى، لتجد نفسها في النهاية داخل مصيدة، لكل طرف فيها ولاءاته، وحتّى الجلبي وهو الرجل الذي اعتمدت عليه أميركا أكثر من سواه ومنحته الثقة والمال والدور، باعها من دون رمشة جفن للإيرانيين. منذ زمن لم تعد القضية هي تحرير العراق من الاحتلال الأميركي، فالاحتلال حتما سائر إلى زوال، لكن ماذا عن عراق محرر مثل الصومال وأسوأ؟! ينسحب الاحتلال والعراقيون لم يتمكنوا حتّى الساعة من إقامة حكومة ما بعد الانتخابات، وأنه لخبر أثمن وأعظم لو تشكلت حكومة جديدة بتوافق وطني، ولو ان الأميركان استخدموا نفوذهم لفرض هذا التوافق، لكن يبدو أن نفوذهم أيضا لم يعد أكثر من ورقة ضمن سلة أوراق تتنازع الأطراف استخدامها، كل لأجندته.

[email protected]