هل يريد الشعب الإصلاح؟






تماهيا مع الرأي العام الأردني ربما، سأبدأ بإعلان امتعاضي وسخطي العميقين على السياسات الحكومية المتعاقبة التي أوصلت مديونية بلدنا إلى أرقام مهولة، وأدين في الوقت ذاته ضعف وهشاشة أداء الذين انتخبتهم نسبيا كمواطن في كل من مجالس اتحادات الطلبة في المدارس والجامعات، وفي الروابط الثقافية والخيرية والنقابات العمالية والمهنية والنسوية والحزبية، ولا أنسى في الذروة منها المجالس النيابية التشريعية والرقابية حتى تاريخه. اضافة اعلان
هذا الاستهلال أطلقته تمشيا مع أفعال الإدانة التي يلجأ الرأي العام الأردني عادة إلى إطلاقها بعيد الانتهاء من أي ممارسة انتخابية، ليمكث بعدها في دائرة العزو القائلة بأن ما وصلنا إليه من واقع قاس سببه الآخر الحكومي فقط، بكل تلاوينه. ولعل الأسئلة الإجرائية المفقودة في يومياتنا المطلبية والاعتصامية هنا هي أين يجب على الأكاديمي والإعلامي والاقتصادي وقادة الرأي، في المسجد والكنيسة، أن يكونوا مؤثرين فعلا في قيادة المجتمع نحو التوازن المرتجى للآن؟ أم أن عليهم أن يبقوا، غالبا، منساقين لاسترضاء الرأي العام غير العلمي وغير الواقعي أحايين أخرى؛ هذا الرأي العام الانفعالي، كما تؤكد دراسات علم النفس الاجتماعي، والذي يضم كخليط مختلف مكونات المجتمع، المتعلم ونقيضه المختص وغير المختص، القائد والمنقاد.. إلخ، أو أن يصوغ ويدافع قادة الرأي عن أسئلة الوعي وضرورة إشهارها دوما، ولو كانت غير مقبولة شعبيا لديه؟
من الواضح أن ما وصلنا إليه من مُعيقات للتقدم والرفاه بسبب المديونية وعدم تمتعنا بالحرية المثالية عند أي انتخابات مارسناها، ليس وليد اللحظة بالتأكيد. ولكن في المقابل، لم نقرأ بعد أن أحد قادة الرأي أو معارضا فيما بعد التقاعد من الرسمين وصناع القرار بالماضي، قد أعلن وبوضوح أن الجماعات والروابط الأولية، والتي هي أقل من مساحة ومعاني الوطن وإن كانت جزءا فاعلا فيها (العشيرة، مسقط الرأس، الواسطة، شراء الأصوات، احترام المتجاوزين على المال العام جراء نفوذهم) قد مارست وما تزال قمعا فكريا وسلوكيا واضحا على الأفراد/ الشباب أو المجموعات النازعة للاعتصام بموارد الوطن وضرورة ادارة مرافقه العامة "على قد لحافك مد رجليك" ماليا وخدميا.
أقول، هذا النوع من القمع المسكوت عنه للآن علميا وسياسيا أمام الرأي العام لا يقل شراسة عن القرارات السيئة التأثير التي اتخذت من قِبل بعض أصحاب السلطة وصناع القرارات في الحكومات المتعاقبة. خصوصا وأن أرشيفنا الكتابي والشفاهي، مثل المذكرات والسير ذاتية والمحاضرات، وحتى اعترافات صادقة للأشخاص العامين في مجتمعنا، يفتقد إلى تحليلات منصفة ولو كانت واخزة، تسعى بدورها إلى الحفر الفكري والمعرفي بهدف إظهار الجذور "النفس-اجتماعية" المولدة لمثل هذه المفاهيم والممارسات الخاطئة من قِبل المواطنين والحكومات أمام جيل الشباب تحديدا. فهل بحث السياسيين والأكاديميين وبعض الإعلاميين عن الرضى الآني من قِبل الرأي العام عنهم قد أبعد هؤلاء عن أداء أدوارهم التنويرية والقائدة بالأصل، تحت سطوة "الشعب يريد إصلاح الآخر"، ولا بد من مجاراته مثلا؟
أخيرا، ومن منظور علمي ودستوري، ها هي لجنة الحوار الوطني مشكورة قد فرغت، وبعد مخاضات متعددة الرؤوس ومؤلمة، من إتمام ولاداتها الشرعية ممثلة في مشاريع قانوني الانتخاب (مختلط/ محافظة ووطن) والأحزاب، ولاحقا البلديات، وأذكر باللامركزية.. إلخ. فهل كانت، وبصدق، الأسباب في تردي أمورنا الانتخابية والرقابية على المال العام، وبالتالي المديونية، هي تلك القوانين التي سنحتفل بوأدها وإدانتها قريبا كرأي عام ومن دون إنصاف لها كجزء مهم من مسيرتنا الأردنية، وإن كان لنا تحفظات على بعضها؟ وهل سنشهد ممارسات انتخابية وعملا حزبيا وحكوميا مؤسسيا يحترم حوار الأجيال، ترابطا مع نسب تعليمنا وأعداد جامعاتنا المرتفعة عالميا، مثلما سُيحترم معنى أن تكون لدينا أعداد كبيرة من خريجي كليات الحقوق، كي نحتفل جميعا، بحق، بسيادة مفاهيم وسلوكيات دولة القانون والمؤسسات، وبالتالي المواطنة بالمعنى الدستوري؟
أظن أن هذا هو المحك الحقيقي الأبرز لرغبة شعبنا التواقة في نجاح الإصلاح المنشود بدءا من جهاده الأكبر مع نفسه، فبالحوارات وحدها تنمو وتستمر الأوطان.