هل يمثل التيار الوطني "الأغلبية الصامتة"؟

مما يستوقف المراقبين لإعلان التيار الوطني عن نفسه هو إصراره على توصيف هويته، بأنه وسطي، وهذا حق للحزب أن يسمي نفسه كما يشاء، ولكن من الضروري التأكيد هنا على أن رغبات قيادة الحزب ليست هي المرجع الذي يحدد موقع أي حزب في الخريطة السياسية والحزبية للدولة.

اضافة اعلان

فهذه الخريطة وتوزيع الأحزاب عليها يتقرر بالتحالفات والمواقف والسياسات التي يتم تبنيها. ولكن أن يقول حزب أنه يريد أن يكون وسطاً، فهذا فيه تجنٍّ على كل الحياة السياسية للدولة. والقول: "التيار الوطني في وسط الشعب ووسط اعتداله". عبارة تشي بأن تمسك النشطاء المنظمين لهذا المشروع بعنوانهم الوسطي، هو رغبة منهم لأن يدعوا بأنهم تعبير عن كل الشعب الأردني.

تمسك قادة التيار بموقعهم السياسي الوسطي، يثير الشكوك بأن هذه الرغبة تعبير عن نية وسعي للاستيلاء على موقع الثقل والنفوذ في الدولة، لا تعبير عن برنامج سياسي. إذ يصرون على أن برنامجهم السياسي لم يتبلور بعد. حتى لو كان هناك يمين واضح ويسار واضح، وجاء حزب وقال إنه هو الوسط لأنه ليس اليمين وليس اليسار، فسيكون في هذا استغفال للناس. فكما يعلم الجميع تأخذ الأحزاب هويتها بما تريد وبما هي، وليس بما ليست هي. فالتحديد هو الضرورة التي تتطلب النفي حين نتحدث عن الخيارات الإنسانية ومنها الأحزاب. ولكن النفي ليس مدخلاً لتحديد هوية الحزب.

إصرار قيادة الحزب على القول إن التيار الوطني هو تعبير عن الأغلبية الصامتة، موقف يتنافى مع جوهر العمل الحزبي. وهذه ربما ستكون التجربة الأكثر فرادة في تاريخ الحياة الحزبية في كل العالم. وربما ستدخل الحياة الحزبية الأردنية التاريخ حيث ستكون هي اللحظة التي بدأ فيها تشكيل الأحزاب وتأسيسها من "الصامتين".

فالأغلبية الصامتة، في كل العالم هي كتلة اجتماعية معنية بيوميات حياتها. وهذه الأغلبية، لا تجد لديها الطاقة ولا الرغبة بربط قضايا معيشتها الخاصة بالمصلحة العامة. وفي كل العالم هذه "الكتلة الصامتة" ليست حزباً، ولم تكن يوماً كذلك. فالأحزاب في كل العالم يتم تشكيلها من النشطاء والمثقفين، والمفكرين. ولكن سعي مجموعة معينة للادعاء بأنهم يشكلون حزباً يعبر عن كل الوطن ويعتمد على الأغلبية الصامتة، فهذا يؤشر على منطق تشكيل تنظيم جهوي وليس منطق تشكيل الحزب.

الحياة الحزبية تبحث عن النشطاء، ولكن الرغبة في العمل مع الصامتين، تثير التساؤلات. وحتى لا يظلم أصحاب التيار الوطني دعونا نفهم كيف يبنى حزب من الصامتين؟ وهل هناك تجربة في العالم بنت أحزابها من "الصامتين"؟ والسؤال الأهم هو من يريد "الصامتين" في حزبه؟ والجواب الذي يثير الريبة ويحتاج إلى دلائل تنفيه هو من لديه أجندة معينة، يريد أن يكون لديه حزب أو تنظيم جهوي بلا نشطاء ومثقفين يناقشون ويفرضون منطقاً موضوعياً على عمل الحزب. فمن يريد "الصامتين" في حزبه يريد من يمررون ما يراه مناسباً لمصالحه. وهذه فكرة تبعث على الريبة. والمطلوب من قيادة مشروع التيار الوطني أن يبددوا الشكوك باستجابات واضحة.

والذي يعمق الشكوك، ويثيرها هو ما ذهب إليه رئيس التيار الوطني، المهندس عبد الهادي المجالي (في معرض رده على الزميل الكاتب محمد أبو رمان) حيث ردمت عباراته الكثير من الفواصل بين الحزب والتنظيم الجهوي. فهو يقول صراحة: "بأن أي حزب يبقى حالة مرتقبة غير معروفة حتى يتم الإفصاح عن مضمونها". والحقيقة كما اعتقد بأن الحزب تعبير عن موقف وعن فكرة واضحة، والمطلوب لتحويل فكرة واضحة إلى حزب عدد محدود من الذين يؤمنون بهذه الفكرة ويتخذون موقف المدافع عنها. ولكن الجماهير ليست معياراً لحزبية الحزب إلا في الأردن. حيث كان العديد ممن يشاركون عبد الهادي المجالي رؤيته وراء قانون الأحزاب الأردني الذي يتجاهل الفروق بين الحزب والتنظيم الجهوي. وكانت النتيجة قانون أحزاب يتنافى مع المفهوم الأساسي للحزب بأنه فكرة وأشخاص يؤمنون بها بغض النظر عن عددهم. فالخلل الفكري والمنهجي الذي ينطوي عليه قانون الأحزاب الأردني، يجب أن لا يمثل مظلة لتشكيل تنظيمات جهوية في الأردن. 

التجربة العالمية في تشكيل الأحزاب، أن هناك أفكارا واضحة، وانحيازا واضحا، تتحول إلى برنامج سياسي عبر تبني عدد من الأفراد لهذه الأفكار. وهم بتحولهم لحزب، فإنهم يعلنون تحولهم من تجمع أفراد تراكمي، إلى تشكيل فكري اجتماعي سياسي. ولكن أن يلتقي الصامتون، وهم مقرون بأنهم يقبلون بالكثير من عناصر تشكيل الحزب، بما في ذلك قيادته، وتبقى فكرته غامضة، وبرامجه ورؤاه مؤجلة إلى حين ما تنجلي الأمور فإن هذا ليس حزباً. إنه تنظيم جهوي.

  ففي كل مجتمعات العالم، هناك أقلية نشطة. ولا يوجد عبر التاريخ أغلبية نشطة. والأقلية النشطة تنحسر في ظروف الاسترخاء، وتنشط في ظروف الأزمات. والأغلبية الصامتة عادة، تمنح الشرعية والتأييد لجزء من الأقلية النشطة، في مرحلة محددة ولفترة معينة، ولكنها لا تحل محلها. وأي محاولة لاستنهاض الأغلبية الصامتة هي محاول واضحة لمحاصرة النخب النشطة في المجتمع.

إدعاء تمثيل "الأغلبية الصامتة"، وإدعاء تمثيل الدفاع عن الدولة، هو منطق شمولي. فكل الايديولوجيات الشمولية التي شاهدناها في العالم العربي، جاءت بخطاب فضفاض عن المصلحة الوطنية، وعن الحرية والديمقراطية. ولكن ربما أغلبها تورط بضرب الحرية والديمقراطية. ويبقى السؤال المهم. كيف يعرف دعاة التيار الوطني، وغيرهم، بأن الصامتين يريدون ما أعلنوا عنه؟ كيف سمع هؤلاء أصوات الصامتين؟!