هموم إدارية: ثمرة فاسدة

لم يترك المذيع الشهير جيرمي كلاركسون؛ مقدم البرنامج الأكثر شعبية على شاشة "بي. بي. سي"، خيارا أمام إدارة المحطة سوى إنهاء عقده، وذلك بعد اعتدائه الجسدي واللفظي على عدد من زملائه، رغم ما قد يحدثه قرار إنهاء العقد هذا من خسارة مادية جسيمة للمحطة، قد تصل إلى خمسين مليون جنيه استرليني سنويا، هي قيمة العائدات المتحققة من برنامج كلاركسون الشهير "توب جير"، ورغم الضغوطات الهائلة التي مارسها هواة البرنامج ومتابعوه على الإدارة لإعادة النظر في قرارها.اضافة اعلان
فإدارة المحطة تعي أن وجود عضو واحد ذي سلوك سلبي، كفيل بتحويل الفريق كله إلى فريق مشلول ومختل وظيفياً. إذ إن مفعول هذا العضو ينتشر في جسم المؤسسة كالسرطان، ليشله بالكامل. ففي كثير من الأحيان، يكمن سبب فشل الفريق في وجود شخص سلبي واحد ذي مفعول مدمر؛ ذلك أن فعالية المجموعات تعتمد على فعالية الحلقة الأضعف فيها، أكثر من اعتمادها على متوسط فعالية الأعضاء. كما أن من المعروف في علم النفس، والعلاقات بين الأفراد، أن المشاهد السلبية والأحداث السيئة، تحدث أثراً أكبر وأكثر استدامة من مثيلاتها الإيجابية.
وتزداد صعوبة التعامل مع هذا الشخص كلما علا موقعه في هرم المؤسسة أو المجموعة، أو إذا كان يحظى بالدعم السياسي من داخل أو خارج هذه المؤسسة، أو إذا كانت خبرته أو تميزه في مجاله العلمي أو العملي يمكنانه من التحكم بأحد المفاصل الحيوية لهذه المؤسسة.
وتتميز الشخصية السلبية بعدة صفات، أهمها عدم بذل الجهد، وإخفاء المعلومة، والسلبية المَرَضية المعدية، والإخلال بالقواعد التي تنظم العلاقة بين الأفراد. كما تحاول هكذا شخصية، دوماً، التبخيس من قيمة الإنجاز من قبل الزملاء أو المؤسسة ككل، وبث الإشاعات المحبطة والمثبطة، بما يؤدي الى نشر التشاؤم والتوتر، والشعور بعدم الأمان، وتهييج الناس.
لذلك، يجب على المؤسسات، إدارة وأفرادا، التعامل مع هذه الظاهرة بطريقة جدية، وعدم ترك المجال لها لتتغلغل وتجتاح جسد المؤسسة كالسرطان المنتشر، وعندها ستستحيل معالجته.
وعادة ما تكون ردة فعل الفريق الأولية محاولة التدخل الإيجابي لتحفيز هذا الشخص، ورده الى جادة الصواب؛ في محاولة جادة للحيلولة دون تحوله إلى ثمرة فاسدة. وإذا ما فشلت هذه الاستراتيجية، فسيتحول أعضاء الفريق إلى رفضه ومحاصرته، للحد من تأثيره السلبي على الفريق ككل. وسيؤدي فشل السياستين السابقتين إلى حالة من الإحباط لدى بقية أعضاء الفريق، ما يدفعهم ليكونوا أشخاصا دفاعيين منكفئين على ذواتهم، في محاولة منهم لحماية أنفسهم ومصالحهم.
هنا يجب على الإدارات التدخل لحماية المؤسسة من التأثير السلبي لهكذا شخص سلبي، واتخاذ قرارات صعبة لحماية المؤسسة، مهما بلغت الكلفة السياسية والمالية الآنية لهذه القرارات. فتأخير هذه القرارات سينتج عنه كلفة أكبر بكثير، قد لا تستطيع المؤسسة دفعها مستقبلا. فكما أن معظم النار من مستصغر الشرر، فإن فساد صندوق الثمار يبدأ بثمرة واحدة فاسدة، لم يتم التعامل معها بالطريقة والوقت المناسبين.
وبما أن تأثير الشخص السلبي على الفريق يحاكي استفحال السرطان في الجسد، فإن التعامل معه يشابه إلى حد كبير مكافحة السرطان؛ وذلك بخلق بيئة صحية لا تساعد على نمو وتطور هذه الظاهرة، وقادرة على التقاط المؤشرات المبكرة لتحول البعض إلى السلبية؛ ثم بالعلاج المبكر، حيث الكلفة القليلة ونسبة الشفاء العالية. وفي حال عدم نجاح هذه الطرق، لا يبقى أمامنا إلا بتر العضو المصاب، من أجل حماية الجسد.

*مدير مركز الحسين للسرطان