هويدي وسعيد وحمزاوي ..الإنسان قبل الوطن

من لا يزور غزة لا يستطيع أن يعرف حجم الجريمة المرتكبة بحق الإنسان الفلسطيني من العدو والشقيق. وما يجمع عليه أبناء غزة، من فتح وحماس وما بينهما، يستحيل أن يصرَّح به علنا، خوفا على مصالح الناس اليومية لا جبنا وتخاذلا.

اضافة اعلان

 مشهد حصل ونحن نغادر المعبر (استغرقت المغادرة تسع ساعات!)، يشكل عينة من التعامل الأخوي النابع من "الحفاظ على الأمن القومي المصري". سيدة فلسطينية في الجانب المصري وأولادها في غزة لأنها لا تملك هوية، بعد لأي سُمح لها بملاقاة أبنائها ساعات في المعبر.

إلا أن الأمن القومي والانقسام الفلسطيني وتهديد الإرهاب وشروط الرباعية وغير ذلك من عناوين سمجة اشترطت عليها أن تقابل ثلاثة من خمسة فقط. ولك أن ترى فاجعة الأم وهي تقرر من تختار من الخمسة للملاقاة ساعات.

 هذه القصة تلخص الحال الكارثية التي لا علاقة لها بالموقف من الاحتلال أو الانقسام أو الوجود. امتلكت أصوات مصرية شجاعة الجرأة وتصدت للنظام بلغة عاقلة تنتمي لمصر الحقيقية.

ورأس حربة تلك الأصوات الكاتب الأكثر حضورا في العالم العربي فهمي هويدي، فقد كتب بعد فاجعة مقتل الجندي المصري على المعبر تحت عنوان "دم الجندي معلق في رقابهم" "لقد جاءت القافلة لكي تفضح الحصار الإسرائيلي لغزة في ذكرى الانقضاض عليها، وفوجئنا بأن الفضيحة أصبحت من نصيبنا في مصر، إذ تكفلت "الحكمة" التي تعاملنا بها مع القافلة بصرف الانتباه عن الجريمة الإسرائيلية بحيث أصبحت الأضواء كلها مسلطة على تعسف السلطات المصرية وإجراءاتها المستغربة.

إن دم الجندي الشهيد معلق في رقاب الذين حولوا الرحلة إلى أزمة من دون مبرر، ثم فشلوا في إدارة الأزمة حتى حولوها إلى فضيحة أساءت إلى سمعة مصر ولطختها بالأوحال".

أحرجت تلك المواقف المثقفين الذين انحازوا للسلطة، وتخلوا عن دورهم النقدي أمام جريمة يستطيعون مشاهدتها بأعينهم. ليت واحدا من هؤلاء كلف نفسه وزار غزة وشاهد بعينيه بدلا من تصديق الهذيان الرسمي.

 باحث بوزن عبدالمنعم سعيد يتهم في الأهرام الكتاب الرافضين لجريمة الحصار بأنهم "المصريون الجدد الذين لا يجدون بأسا في التفريط بالمصالح المصرية"! ويسمي الجدار الفولاذي الكافي حديده لبناء 200 ألف شقة بـ"الإنشاءات الحدودية".

والطفل يعرف أنه جدار غير مسبوق في تاريخ البشرية. ويمن على الفلسطينيين بفتح المعبر 15 مرة خلال عام ! أي كرم هذا؟! ولعل الموقف الأكثر غرابة صدر عن الباحث عمرو حمزاوي، وهو الأكثر ظهورا على الفضائيات، فانصرف عن رداءة الموقف السياسي إلى الحديث عن رداءة الموقف الإعلامي. طبعا هو لا يقصد هنا الإعلام المصري الرسمي وشبه الرسمي الذي كذب وشهّر وحرّض بشكل سخيف وفج بل الإعلام المهني الذي نقل بأمانة ما حصل.

 وخلص في النهاية إلى إدانة القوى الرافضة لمولد أبو حصيرة. والحال أن المطلوب المساواة بين اليهود والفلسطينيين، ليس أكثر. فمصر تسمح بالمولد وتصدر الغاز لإسرائيل والإسرائيلي يدخل معززا مكرما ولا يتعرض لما نتعرض له عربا وفلسطينيين.

 وبمعزل عن تفاصيل المولد لا أدري لماذا لم يلحظ الباحث المهم حفاوة القوى الإسلامية والقومية باليهودية الثمانينية الناجية من الهولوكوست، التي أصرت على الذهاب إلى غزة؟ ألا يلاحظ أن تطورا خطيرا ينم عن موقف إنساني من اليهودية دينا والهولوكوست حدثا تاريخيا؟ وللحديث صلة.