هيمنة الاعتبار السياسي

تبدو مختلف أوجه الحياة العامة ومخرجاتها في المجتمعات العربية الراهنة، بما في ذلك شؤون الإبداع وشجون الفن والثقافة والصحافة والإدارة وغيرها، خاضعة لهيمنة العنصر السياسي الذي يواصل لدينا وظيفته التاريخية كمؤشر على اتجاه البوصلة الموجهة لكل حوار ثقافي أو منتج اجتماعي، إن لم نقل إنه المعيار الرئيس الذي ما تزال تقاس به وتقيّم من خلاله كل مخرجات البنية الفوقية.
وقد ظل هذا الناظم الأساسي لمختلف مناحي الحياة في المحيط العربي كله، أمراً مسلّماً به ومفهوماً لدى الكافة، كونه متسقاً مع طبيعة المرحلة، ومتساوقاً مع تراتب الأولويات المدرجة على سلم الاهتمامات الوطنية والقومية، التي كانت تقف على رأسها جميعاً أولوية استكمال شروط عملية التحرر والاستقلال الوطني وبناء الدولة القطرية، ما أخضع الحراك الاجتماعي لهيمنة الاعتبار السياسي، وجعله ملحقاً بمنظومة الاهتمامات السياسية المركزية الكبرى.
إلا أنه بعد كل التطورات التي حدثت داخل العالم العربي وخارجه، وبعد أن قطعت عدد من الخيول التي تم الرهان عليها كامل الشوط أو جزءاً منه، فيما أخفق بعضها الآخر في الوصول إلى منتصف المضمار، وبعد أن تبدلت المفاهيم وتغيرت مقاييس التقدم والنجاح والقوة والثروة وحتى الاستقلال والوحدة، فإن من غير الجائز أن تبقى السلطة الوحيدة المعترف بها في عالمنا العربي سلطة العامل السياسي، وأن يستمر الأخذ بها كقوة وحيدة ناظمة ومتحكمة بسائر حلقات السلسلة.
إذ في ظل كل هذه المتغيرات المتلاحقة، لا سيما في عصر ثورة الاتصالات، وإثر كل هذه التبدلات العميقة في القيم والمفاهيم والمثل السائدة، سوف يكون من الإجحاف، بل والمبالغة الشديدة، اعتبار منتجات الثقافة وموضوعات الكتابة وألوان الفنون مثلاً، مجرد ضرب من ضروب السياسة، وكأن حياتنا اليومية ليس فيها إلا هذه السياسة التي ما تزال تلهب خيالات الخطباء وأعمدة الكتاب ومداخلات البرلمانيين وتصريحات رجال الدولة المتقاعدين.
لقد آن أوان تبريد أوار اللظى الناشب في أروقة السياسة وحقول الثقافة والمعرفة وما إلى ذلك من مسائل كثيرة باتت تتطلب من دون إرجاء التعاطي معها من خارج أبراج الأحكام الكلية، ومن ثم تناولها بمفردات خطاب الحياة اليومية وهمومها الصغيرة، التي تنصب في هذه الآونة على قضايا إنسانية عديدة، بما يتخللها من عناوين تفصيلية تستأثر بالجانب الأعظم من اهتمامات الناس على مختلف مراتب همومهم الاعتيادية.نقول هذا الكلام ونحن ندرك أنه تحت غطاء العامل السياسي الكثيف جرى تغييب الكثير من القضايا الجوهرية للإنسان العربي، وتم التستر على العديد من السلبيات التي عطلت التقدم الاجتماعي المنشود تحت ذرائع مغشوشة وشعارات براقة، مثل لا صوت يعلو فوق صوت المعركة، أو غير ذلك من العناوين الكبيرة التي سوغت عملية سلب الحريات الأساسية والحقوق الديمقراطية للمواطن، واستنزفت موارده الشحيحة باسم الصمود والمواجهة والتحرير وما إلى ذلك من معارك خاسرة.
وليس معنى ذلك تقزيم الاعتبارات الوطنية الكبيرة ولا إدارة الظهر للقضايا القومية الكبرى، أو الانصراف عن التعاطي مع المتغيرات المحيطة، إلا أنه سيكون بلا معنى ولا نتيجة أن يواصل قادة الرأي والمثقفون والمسؤولون قصفهم السياسي الثقيل في ميدان السياسة وحده، من دون أن يجري بالمقابل إطلاق أحكام موضوعية مجردة، غير متعالية عن الواقع الموضوعي، بما يزخر به هذا الواقع من هموم واهتمامات يومية متفرقة ما تزال مغطاة برغوة سياسية مفتعلة في أغلب الأحيان.
لهذا كله يجد المرء لديه ميلاً عميقاً نحو خيار عزل تأثيرات العامل السياسي عن دروب الإبداع، والتقبل أكثر فأكثر لمعايير العصر وحقائقه الجديدة، والتفهم بصورة أفضل لفضيلة التنوع والحق في الاختلاف، والإقلاع عن رمي الآخر بالكلام الفظ وإرهابه فكرياً ومصادرة اجتهاداته سلفاً، والكف عن كل هذه العنعنات التي أفقرت المجتمعات وعطلت آليات نموها، من دون أن تتمكن من إنجاز أي من تلك الطموحات التي دغدغت عواطف الناس طويلاً.

اضافة اعلان

[email protected]