وادي عربة اليوم

أبو سويلم مواطن أردني من وادي عربة تعرفت عليه قبل عام ونصف أثناء عمل علمي ميداني في مناطق متفرقة من وادي عربة، بقي لشهور طويلة يتابعني بهواتفه ليسأل عن أخبار تأتي من العقبة أو عمان حول مستقبل الوادي، عن حلمه ومئات البدو الأردنيين بمزرعة وبئر ماء أو سد في قاع السعيدين أو قريقرة أو رحمة وبئر مذكور حيث المنحدرات الحادة التي تفرغ المياه القادمة من الصحراء الشرقية نحو المجهول.

اضافة اعلان

بالتأكيد أبو سويلم غير معني بمرور كل هذه السنوات على اتفاقية السلام التي حملت اسم الوادي العتيق الذي يعيش فيه كما عاش آباؤه وأجداده من قبل، ولم يسمع بالوعود التي أطلقها بيريز ورفيقه رابين منذ 14 عاماً عن وادي السلام الذي قيل حينها انه سيكون جنة الله في الأرض ورمزاً للخير والتقدم الذي سيأتي به السلام والتفاهم بين الشعوب.

وأبو سويلم، بالتأكيد، غير معني بنظرية الفهم بين الشعوب ودورها في استتباب الأمن وازدهار التنمية، ربما التقط الإشارة من الزيارة الملكية لشمال الوادي أول من أمس ومن فكرة المخطط الشمولي لوادي الأردن والذي سيشمل المنطقة الممتدة من الأغوار الشمالية إلى وادي عربة، ولسان الحال يردد بأن التنمية وتغيير وجه الحياة الشاحب لهذه الأرض لن يتحقق إلا بإرادة وطنية وبرؤية وطنية أيضا، فلقد أرهقنا هذا الوادي  وأهله بالأناشيد والوعود في وقت الحرب والسلم معاً، وكأن تغيير الحال من المحال في هذا الممر التاريخي القديم الذي كان مطبخ الحياة  والخير والغذاء لحضارات عديدة. 

  تشكل البيئة الطبيعية في منطقة وادي عربة بمواردها وثرواتها مفارقة كبيرة، حينما تقارن مع خصائص المجتمع المحلي ونوعية الحياة التي يحياها؛ الأمر الذي يجعل من هذه المنطقة تحدياً وطنياً قد حان الوقت للالتفات إليه، ويتجسد ذلك في ضوء ما يتوفر لهذه المنطقة من فرص تنموية واعدة للاقتصاد الوطني بشكل عام، وما ينتظرها من مشاريع تنموية إستراتيجية على المستويين الوطني والإقليمي طال انتظرها، وحان الوقت لخوض غمارها وطنيا، وكفانا انتظارا فالانجازات والمشاريع الكبيرة على الطرف الآخر من الوادي لم تنتظرنا ولم تنتظر سلامنا.

فمنطقة وادي عربة ذات مساحة شاسعة وموارد طبيعية لم تقدر بشكل واضح ولم تستغل بعد؛ تقع على امتداد يشكل عمق المنحدر الغربي لمحافظات جنوب المملكة، فهي تحتل موقعاً حيوياً وغاية في الأهمية في الوقت نفسه؛ بالإضافة إلى إمكانياتها الزراعية لأنماط معينة من الزراعة، وبالتحديد الأعلاف والنخيل، فإن تضاريس المنطقة ووقوعها في المنحدر الغربي الممتد من البحر الميت إلى أقصى جنوب المملكة يوفر إمكانية قد لا تتوفر في بيئات أخرى في العالم لجمع المياه بواسطة شبكة هائلة من السدود الصغيرة والمتوسطة وشبكات أخرى من نظم الحصاد المائي من القنوات والبرك والخزانات، الم تكن هذه البيئة هي المطبخ الساخن لغذاء الشرق القديم بأكمله.

من زاوية أخرى، توفر منطقة وادي عربة فرصا استثمارية كبيرة أمام القطاع الخاص في مجالات السياحة البيئية. فالمنطقة بحق تعد واحدة من أهم مناطق تراث الطبيعة التي تفتح الأفاق لسلسلة غير متناهية من الأفكار في مجال تنمية السياحة البيئية، إذا ما أخذت كبرنامج متكامل يجمع عاصر الجذب في البتراء ورم والعقبة مع صحراء وادي عربة ومرتفعاتها  ومرتفعات الشوبك الغربية.

وعلاوة على ان المنطقة قابلة لظهور مجتمعات عمرانية جديدة، والتقليل من حدة تدني الكثافة السكانية، مع ظهور مشاريع تنموية جديدة، فإنها توفر إمكانية تطوير نموذج وطني للتنمية المستدامة المتوازنة في بيئة طبيعية نادرة وفريدة.

 وادي عربة الذي يوفر كل هذه الفرص يعاني من تدني الكثافة السكانية التي تبلغ 2.02 من الأفراد لكل كيلو متر مربع مقارنة مع 61 فردا لكل كيلومتر على مستوى المملكة، حيث تبلغ مساحة منطقة وادي عربة حوالي(2321 كم2)، إلى جانب تباعد التجمعات السكانية عن بعضها، وتناثرها على امتداد هذه المساحة نجد تواضع نوعية الحياة للمجتمعات المحلية، حيث يرتفع معدل الفقر إلى 53% والبطالة إلى نحو22%، وانتشار الأمية بنسبة 45%.

السلام الذي يريده أبو سويلم لا علاقة له بالاتفاقيات ولا المؤتمرات، له علاقة بشيء واحد ان يعيش من أرضه بأمان وان ينتفع منها بعدل.

[email protected]