وثيقة تاريخية

ثمة اتجاه إعلامي وسياسي عربي يقلّل من أهمية تقرير لجنة السير جون تشيلكوت في تقييم القرار البريطاني بالمشاركة مع إدارة الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش، في شنّ حرب العراق 2003، والتي أطاحت بالرئيس العراقي السابق صدام حسين ونظامه السياسي.اضافة اعلان
التقليل من أهمية التقرير مرتبط، وفق وجهة النظر هذه، بعدم وجود أبعاد عملية مترتبة على نتائج التقرير، الذي وإن كان وجّه انتقادات واضحة وصريحة لعملية اتخاذ القرار البريطاني، ولغياب الرؤية المطلوبة لمرحلة ما بعد الحرب، إلا أنّه لم يصل إلى محاكمة أو محاسبة المسؤولين، أو حتى قيام بريطانيا بدفع تعويضات للشعب العراقي عن هذا القرار الخاطئ من ناحية القانون الدولي.
صحيح، من هذه الزاوية، أنّه لن تكون هناك آثار عملية مباشرة على التقرير. لكن أهمية التقرير وخطورته تتعدّيان كثيراً هذا الجانب، وتتجاوزاه إلى أنّه يقدم لنا رواية حقيقية وتاريخية صحيحة مسنودة بكم كبير من الوثائق، عما حدث خلال تلك الأعوام من نقاشات في الدوائر الغربية والعربية قبل الحرب وخلالها وبعدها؛ أي أنّه يكشف تفاصيل دقيقة وحساسة في تاريخ المنطقة، والأسباب الحقيقية التي أدت إلى الحرب.
لا تقتصر أهمية التقرير على السياسة البريطانية، حتى وإن كان موجّهاً للبريطانيين بالدرجة الأولى، وجاء لتقييم السياسة الخارجية والاستفادة من الدروس المطلوبة، ففي المحصلة هو وضع قرابة مليونين ونصف كلمة أمام العالم بأسره. وما يزال التقرير، كما خلصت صحف بريطانية، بحاجة إلى وقت طويل حتى يتم هضمه وتحليله واستخلاص النتائج، فهو طويل جداً، ومتخم بالوقائع والوثائق والمعلومات التي تنشر للمرة الأولى.
من المعروف أنّ احتلال العراق كان نقطة تحول في تاريخ المنطقة، وأنّ نتائجه لم تؤدّ -كما زعم توني بلير، وأيده شريكه في الحرب جورج دبليو بوش تعقيباً على التقرير- إلى عالم أفضل "من دون صدام"، ولا إلى حكومة ديمقراطية شرعية ودولة تتنفس الحرية، وتعيش فصولاً من التعددية والنمو؛ بل أدى إلى نفوذ إيراني يجتاح المنطقة، وإلى مقتل مئات الآلاف من العراقيين خلال الحرب وبعدها، وتهجير ملايين منهم، وإلى إقامة نظام طائفي أكثر فساداً من نظام صدام. والأهم من هذا وذاك، حتى من زاوية المصالح الغربية والأميركية، أن هذا الاحتلال أدى إلى إطلاق المارد الأصولي المتطرف من القمقم، ليس فقط في صيغة "داعش"، بل بتعميم الطائفية على المنطقة بأسرها.
ذلك لا يعني أنّ الخيار المطروح بديلاً عن الاستبداد السياسي في المنطقة العربية هو الفوضى والحروب الداخلية، وأنّ صدام حسين كان نموذجاً للحكم الوحيد الممكن لوحدة العراق. لكنه يعني أنّ السياسات الأميركية والبريطانية غير المدروسة ولا الشفافة، والمبنية على معلومات استخبارية خاطئة، والأهداف الحقيقية التي وقفت وراء احتلال العراق، كل ذلك هو ما أدى إلى الكارثة الحقيقية الراهنة في العراق، وليس التفكير الغربي الجدي في إقامة نظام ديمقراطي تعددي في العراق!
لم يكن هدف بوش أو بلير إقامة نظام ديمقراطي حقيقي في العراق. والاحتلال الخارجي بالضرورة ليس هو الطريق المثلى لذلك. وكان هناك فنتازيا غريبة في تصوّر الحالة العراقية لما بعد الاحتلال، ورهان على إعادة هيكلة موازين القوى في داخل العراق لتميل إلى الشيعة في مواجهة السُنّة، وهو ما عزز المسألة الطائفية وولّد الأزمة السُنّية لاحقاً!
في المحصلة، التقرير مهم لنا نحن العرب، كثيراً، لنقرأ التاريخ والوثائق، ونستفيد مما حصل ويحصل، ونعرف حقائق الأمور عن مواقفنا الرسمية والسياسية، طالما أنّ وثائقنا وحقائقنا لا يمكن أن نعرفها إلاّ من خلال الآخرين!