وجبة كلام في مديح "المنسف"!

الرَّجلُ كانَ عائداً إلى البَيْتِ مُكدَّراً، مُضْمِراً نيَّتَهُ افتعالَ "أزْمَةٍ زوْجِيَّةٍ"، تَسْتَرِدُّ شيئاً من هيبَتِهِ التي فقَدَها في اجتماعٍ عمليٍّ مع ثلاثَةِ أنواعٍ من المديرين. أنشَأَ في خيالِهِ المضطَّرِبِ حواراً عصبيّاً على أشياءَ طلبَها قبلَ أقلَّ من شهْرٍ من زوجَتِهِ ولم تحدُثْ، وتذكَّرَ سيِّئاتٍ اقترَفَها ابنُهُ البِكْرُ قبلَ أكثر من شهر ولم يُعاقِبْهُ عليها..؛ امتلأ جوفُهُ بالصراخ المتداخِلِ، وكادَ أنْ يتفجَّرَ بمجرَّدِ دخولِهِ البيْتَ، لكنَّه هدأ فجأة كطفلٍ تحقَّقَ مراده الغامض: "منسف" فقط!اضافة اعلان
المرأةُ كانَتْ طِوالَ مُكوثِها الصباحيِّ في البيْتِ منزوعَةُ المزاجِ تكلمت بعَصَبيَّةٍ زائدَةٍ مع حارِسِ العمارَةِ الوافِدِ لتقصيرِه عن أداءِ مهمَّةٍ لم تُكلِّفهُ بها، وأرسلَتْ رسالتيْن خلويَّتَيْن بمضمونٍ نَزِقٍ إلى جارَتَيْنِ لها معهما مشاكلَ قديمَةٍ، وتذكَّرَتْ بصُدْفَةٍ غريبَةٍ سيِّئات الابن البِكْرِ التي أخفَتْها عن والده، وطلباتٍ لم تُنَفَّذْ من قِبَلِ الزوجِ منذُ أقلِّ من شهرٍ..؛ انتظرَتْ ردودََ الفعل، ولم تأتِ، فهاتَفَتْ إحدى الجارَتَيْنِ، وطالَ الحَديثُ حتى امتدَّ إلى إضافات "شاميَّةٍ" على "المنسف" امتدَّ سخاؤه حتى وصَلَ إلى الجارَةِ السابِعَةِ!
الابنُ البكرُ كانَ مُصاباً في الصباح بكآبَةٍ المُراهَقَةِ الغامِِضَةِ؛ فبرَّرَ أسبابَها بوالدِهِ الذي لا يَفهَمُهُ ويعد كلَّ ما يَصدرُ عنه سيِّئات تستحقُّ العقابَ، وبأُمِّهِ التي تهدِّدُهُ دائماً بكشْفِ سيئاتِهِ التي لا تقبلُ التأويلَ لوالده، وبـ "حبيبته" المراهقَةِ التي تَسْتَقْبلُ على صفحَتِها "الفيسبوكية" مراهقينَ يكتبون على صفحاتهم غزلاً سفيهاً. تمنَّى لو يستطيعُ حرقَ كلَّ اللحظاتِ السابِقَةِ، ويذهب إلى أخرى لاحقة خارجَ البلاد؛ لكنَّهُ دخَلَ مضطراً إلى البيت، رحَّبَ به والده بلطفٍ زائدٍ، وأمُّه تناسَتْ كشفََ سيِّئاتِهِ. فرِحَ كرجلٍ تحقَّقَ مرادُهُ الغامض حين وجَدَ من حبيبته رسالةً إلكترونيَّةً مُفصَّلةً تُبرْهِنُ فيها قدرتَها على إعداد "منسف" قد يَفقدُ بأثر مذاقه أصابعه الخمسة!
مديرٌ عنَّفَ موظفَهُ صباحَ اليوم، في اجتماع عمليٍّ، شعَرَ بالذنب طوالَ النهار، وأفرطَ في تأنيب نفسه. عادَ إلى البيْتِ غائمَ البالِ، كادَ أنْ يصِفَ لزَوْجَتِهِ شعورَ ألَمِ الضمير، لكنَّها دَعَتْهُ إلى غداء "مُعتبَرٍ" جاءَ من سابع جارَةٍ لها!
عاملٌ وافدٌ كانَ يبكي في سرِّه في غرفَةٍ رطبَةٍ أسفَلَ عمارَةٍ سكنيَّةٍ عاليَةٍ. فكَّرَ للحظاتٍ لو يعود إلى بلده، ولا يكون رجلاً رخيّاً تصرخُ فيهِ النساءُ الغاضبات بلا سبَبٍ واضِحٍ؛ أكثر ما جرَحَ كرامتَهُ امراة الطابقِ الأول الذي اتهمته بالقصور عن أداءِ فعل لم تُكلِّفهُ بهِ. تخيَّلَ أنه ينتقمُ منها، ويسدِّدُ لها...، لكنَّ مراهقاً بشوشاً طرقَ بابّهُ الحديديِّ وبَيْنَ كفيه صحن عارمٌ بالأرُزِّ واللَّحْمِ، والخُبْز مخبَّأ أسفلهما!
فتاةٌ قلقَةٌ لها حسابٌ واسعٌ على "فيسبوك"، لكنَّهُ كادَ أنْ يجعلها تخسر "حبيبَها" الغيورِ كأغلب الرجال الصغار، ففكَّرت في طريقةٍ تكسبُ بها رضاه، فأرسلت له أكثر من إشارةٍ لكنَّهُ تجاهلَها بدلالٍ ذكوريٍّ لا يلين. أرسلَتْ إيميلاً تستعْرِضُ فيه خبرَتَها بصنع "المنسَفِ" من جارَةٍ تعده بإضافات "شامية"، ولم تصدر من حبيبِها أي إشارَة، فوضعت بعد يومين على "فيسبوك" صورةً لـ "منسف" أعدَّتْهُ بنفسها، وكسبت "LIKE" دلالة الرضا التام!
وقَعَ حادثٌ مؤلمٌ في الحيِّ، وجرى عرسٌ صاخبٌ، وعادَ رجلٌ من غياب طويل، وكسِبَ رجلٌ فقيرٌ رهاناً من رجل غنيٍّ، وجاءَ ولدٌ بكرٌ لعائلة انتظرَتْهُ طويلاً، ومات عجوزٌ صالح، ووقعَتْ مشاجَرَةٌ انتهَتْ بالصلح، وزار وفدٌ رفيعٌ الحيَّ ووعَدَ بأشياء على الأغلب لن تحدث، وجرَتْ أحداثٌ لا حصرَ لها  انتهت كلها بـ "صدور المنسف" على جرائِدَ لا تحمِلُ أخباراً سارة!

[email protected]