"وعي جديد" يتشكّل

بالنظر إلى التقسيم السياسي لحراك الشارع الأردني، نجد أنّنا أمام نوعين من القوى السياسية تختلف أولوياتها وتتباين مطالبها السياسية والاقتصادية، وإن كان هنالك قواسم مشتركة متعددة، في مقدمتها المطالبة بإصلاحات سياسية جذرية.اضافة اعلان
الحراك الأول يتمثل في الأحزاب السياسية المعارضة التقليدية، وتشكّل جماعة الإخوان المسلمين العمود الفقري لها، والقوة الرئيسة التي تملك حجماً ونفوذاً حقيقياً في الشارع، ولديها أجندتها السياسية وخطها السياسي، وقاعدتها الشعبية، ما يجعل الحوار معها أكثر وضوحاً وتحديداً.
المعضلة تبدو مع النوع الثاني من الحراك الشعبي الجديد؛ فأغلبه في المحافظات، لكنه إلى الآن لا يشكّل كتلة واحدة متجانسة، وليس مؤطّراً بنحو يسمح لنا بتحديد الألوان المحددة فيه، فما يزال هلامياً مشتركاً بين عناصر فكرية وسياسية متباينة، للإسلاميين فيه نصيب وافر أيضاً. إذا حاولنا استعراض فقط العناوين التي تملك حضوراً إعلامياً كبيراً خلال الفترة الأخيرة، ضمن هذا النوع من الحراك، سنجد أنّنا أمام أسماء متباينة في سقوفها السياسية ومطالبها ومشاربها الأيديولوجية، ومتداخلة في كثير من الأحيان، مثل: حركة الـ36، المتقاعدين العسكريين، حراك المعلمين (الآن انضوى في النقابة)، تحالف العشائر للإصلاح، شباب ذيبان، "جايين"، حراك المحافظات المختلفة. وبلا شك، فإنّ الحراك الجديد يعكس تطوراً جديداً مفارقاً للوعي السائد تقليدياً، لدى نخبة من الشباب الجديد في المحافظات بدأت تعيد قراءة العلاقة بين أبناء المحافظات والعشائر والدولة على قاعدة التحولات المفصلية اقتصادياً بالدرجة الرئيسة، وما تولّد عن ذلك من تحولات سياسية وثقافية ومجتمعية. وبالرغم من أنّ حجم الحراك الشعبي الجديد متذبذب، لكنه يشي بمزاج شعبي جديد في المحافظات، مرتبك بين العلاقة التقليدية بالدولة وبين اتجاه مختلف من قراءة المصالح السياسية والاقتصادية، ما يعيد طرح الأسئلة حول صيغة العلاقة مع الدولة في المرحلة القادمة، بعد أن وصلت العلاقة السابقة إلى مرحلة لم تعد قادرة على الاستئناف والاستمرار.
في المحافظات حجم الضغوطات اليومية والاقتصادية والاجتماعية أكبر بكثير من العاصمة عمان، فالشعور بالتهميش السياسي والاقتصادي، ومحدودية القطاع الخاص وفرص العمل الكريمة، وضعف الخدمات.. كل تلك أصبحت معالم واضحة تهيمن على المزاج الشعبي، وتفرض أولويات رئيسة لديه ترتبط بالعدالة الاجتماعية والأولويات التنموية ودور الدولة والحوافز الاقتصادية للقطاع الخاص وحجم الاحتقان من الفساد وتبذير المال العام والتلاعب بالمناصب الحكومية الرفيعة الذي ساد خلال السنوات الماضية. هذا وذاك يمنح الحراك الشعبي والنخبة الجديدة من الشباب بيئة خصبة وقدرة أكبر على التفاعل مع المجتمع وتحريك الناس. وسوف تكون المرحلة المقبلة انتقالية حتى لطبيعة النشاط السياسي في المحافظات، إذ إنّ اللعبة الديمقراطية وصندوق الاقتراع وقانون انتخاب جديدا سيؤدي إلى برلمان مختلف (على الأقل بنوعية القادمين الجدد) وطبقة سياسية جديدة تقوم روافعها على اللعبة الديمقراطية والقواعد الشعبية بدرجة أكبر.
بالطبع، لعب الحراك السياسي في المحافظات دوراً مهماً في طرح الأسئلة عن العلاقة بين الدولة والعشائر الأردنية، إلاّ أنّ الوعي الجديد ما يزال في البدايات، وإذا لم يتشكّل من خلال أحزاب سياسية مؤطّرة تصوغ برامجها السياسية بصورة واضحة ومحدّدة، فإنّ ثمرة هذا الحراك ستختطفها قوى هنا أو هناك أو أشخاص يملكون صوتاً عالياً أو قدرة أكبر على "تسويق أنفسهم". التحدّي الحقيقي، الآن، أمام الحراك الجديد هو أن يتحول إلى العمل الحزبي المنظّم، وأن يطوّر مواقفه نحو برامج سياسية وخطاب بلون جديد في المشهد السياسي. وإلا ستضيع الفائدة الحقيقية المرجوة التي تتمثّل في تشكّل تيارات وقوى سياسية جديدة تعكس مصالح المجتمع وتعبر عنه، وتنهي الثنائية القاتلة بين الدولة والإخوان المسلمين التي طغت على المشهد السياسي، على الأقل خلال العقدين الماضيين.

[email protected]