وفاء لياسر عرفات لا أكثر

من بين أسوأ الأنباء الواردة من قطاع غزة، الذي انسحبت منه اسرائيل الشهر الماضي، استمرار حال الفوضى. وتوحي الأحداث التي يشهدها القطاع بأن الجانب الفلسطيني ليس قادرا على إيجاد حدّ أدنى من الاستقرار في المنطقة التي يفترض أن تكون تحت سيطرة السلطة الوطنية. وربما كان أسوأ ما في الأنباء السيئة التي مصدرها غزة، أن مجموعات تابعة لـ"فتح" تلعب دورا مماثلا لذلك الذي تمارسه "حماس" عبر مسلّحيها في مجال زرع الفوضى، وتقويض السلطة الوطنية، وإظهارها في مظهر العاجز عن ضبط الأوضاع، تماماً كما يريد ويتمنّى أرييل شارون!

اضافة اعلان

حصل يوم الأربعاء الماضي اعتداء على جامعة الأزهر، اضطرت على إثره الى اغلاق أبوابها. وتبين أن عناصر مسلّحة من "فتح" تقف وراء الاعتداء! نعم، هاجم نحو عشرين مسلّحا من "فتح" مكتب رئيس الجامعة الذي اضطر الى الفرار. كذلك اعتدى هؤلاء على أحد الموظفين وجّروه الى خارج الحرم الجامعي.

تفوقت بعض عناصر "فتح" على "حماس" في عملية نشر الفوضى في غزة، وكأن الهدف تأكيد النظرية الإسرائيلية القائلة ان الفلسطينيين غير قادرين على أن يحكموا أنفسهم بأنفسهم، وأن لا وجود لشريك فلسطيني يمكن التفاوض معه. ومن هذا المنطلق، تترسخ أكثر فأكثر قناعة محددة لدى الرأي العام الإسرائيلي، تتلخص بأن على الدولة اليهودية الاستمرار في بناء ما تسميه "الجدار الأمني" الذي سيرسم حدودها، من دون حاجة الى التفاوض مع الفلسطينيين أو التعاطي معهم.

لابد من امتلاك ما يكفي من الشجاعة والجرأة للاعتراف بأن بعض التصرّفات الفلسطينية -على رأسها العمليات الانتحارية التي كانت تقف خلفها "حماس"، لأسباب لا علاقة لها بالضرورة بالمصلحة الفلسطينية- لعبت دورا اساسياً في دفع المجتمع الإسرائيلي في اتجاه التطرف، وفي جعل شارون ينتصر على خصومه السياسيين وتحوله إلى زعيم وطني لا يقهر، بعدما كان الى ما قبل فترة قصيرة رجلاً منبوذاً. أكثر من ذلك، صار في استطاعة شارون، بفضل العمليات الانتحارية التي كانت تشجّع عليها وتموّلها أطراف إقليمية مهمتها المتاجرة بالشعب الفلسطيني، استخدام كل ما لديه من أسلحة متطورة في مواجهة شعب شبه أعزل، هو في الواقع ضحية إرهاب اسمه إرهاب الدولة، تمارسه إسرائيل عبر إصرارها على الاحتلال. صار في إمكان شارون، بفضل العمليات الانتحارية، أن يستخدم طائرات "أف-16" لقصف مدنيين، فيما العالم يتفرّج بل ويتعاطف معه!

بكل صراحة، إن استمرار الوضع على ما هو عليه في غزة يصب في مصلحة إسرائيل، وعلى "فتح" إيجاد طريقة للخروج من الحال الراهنة التي لا تصب في مصلحة المشروع السياسي الذي تنادي به السلطة الوطنية الفلسطينية، وهو مشروع واقعي يحظى بغطاء الشرعية الدولية، وينادي بقيام دولتين مستقلتين على أرض فلسطين التاريخية. انه المشروع الذي استشهد من أجله ياسر عرفات، الذي ستمر بعد أيام قليلة سنة على رحيله في ظروف أقلّ ما يمكن أن توصف به أنها غامضة.

وفاء لياسر عرفات... لا أكثر، يفترض في كل من لا يزال يؤمن بـ"فتح" السعي الى عدم المساهمة في نشر الفوضى في غزة، لا لشيء، سوى لأن الفوضى تخدم الاحتلال، هكذا بكل بساطة. إن الفوضى أفضل خدمة للاحتلال ولأرييل شارون بالذات، الذي يتذرع من أجل الهرب من طاولة المفاوضات بعدم وجود الشريك الفلسطيني القادر على السيطرة على الوضع. هل تستطيع "فتح" إعادة لملمة أوضاعها وأن تعود حزب السلطة الفلسطينية، أم أن ذلك بات من رابع المستحيلات، وأن "فتح" التي عرفناها انتهت مع استشهاد ياسر عرفات؟

المؤسف أن دلائل كثيرة تشير الى أنه من الصعب إعادة "فتح" الى ما كانت عليه. ويعطي المتشائمون بالوضع الفلسطيني دليلا على ذلك بأن عناصر من الحركة صارت تخطف صحافيين اجانب في غزة، كما حصل الأربعاء الماضي مع اعلاميين أحدهما أميركي والآخر بريطاني أطلق سراحهما لاحقا. لكن الضرر حصل، والسؤال المطروح: هل هناك "فتح" واحدة في غزة، أم هناك ميليشيات تعمل كل منها على حسابها وفقاً لمصالح خاصة بها؟ في كل الأحوال، إن السلطة الوطنية لم تعد لديها خيارات كثيرة؛ عليها أن تحزم أمرها قبل أيام من توجه السيد محمود عبّاس (أبو مازن) الى واشنطن للقاء الرئيس بوش الابن. هل سيتفهم الرئيس الأميركي وضع رئيس السلطة الوطنية في حال سأله عن أسباب الفوضى في غزة، خصوصاً اذا لم يجد "ابو مازن" ما يقوله سوى عبارة "ضُربت من بيت أبي"؟

كاتب لبناني مقيم في لندن