وقفات مع خطاب شاكر العبسي

يعود شاكر العبسي، زعيم تنظيم "فتح الإسلام" في لبنان، إلى الأضواء الإعلامية، وذلك بشريطه الصوتي الجديد الذي بثّته مواقع إنترنت مقرّبة من القاعدة.

اضافة اعلان

القيمة الرئيسة لشريط العبسي تتمثل في شقين؛ الأول سياسي وأمني. إذ يُثبت الشريط، بالوجه القاطع، أنّ الرجل ما يزال على قيد الحياة، وأنّ الستار قد أُسدِل على مسرحية مقتله، وما تبعها من قصة "العزاء" وتوافد أعداد كبيرة من الناس إلى بيت ذويه.

لكن تمكن العبسي من "الفرار" يؤكد، من زاوية أخرى، على وجود "البيئة الحاضنة" لهذا التنظيم في المجتمع الفلسطيني في لبنان، وجزء من المجتمع السني اللبناني، بخاصة في طرابلس.

القيمة الأخرى لشريط العبسي تكمن في الجانب الفكري- السياسي؛ إذ يكشف شيئاً من أفكاره وتصوراته، ما يساعدنا على التقاط موقع "فتح الإسلام" والجيوب القريبة من القاعدة على خريطة المجموعات والحركات الأصولية الجديدة، التي انتشرت بعد احتلال العراق في العديد من المناطق، في سياق تحول القاعدة من "تنظيم مركزي" إلى "رسالة سياسية" عالمية يمكن التقاطها وتمثلها من قبل مجموعات محلية، ولو من خلال الاعتماد على "العالم الافتراضي" الذي تتيحه الانترنت، دون الحاجة إلى الاتصال التنظيمي المباشر، كما كانت الحال سابقاً.

فالعبسي يؤكد، في الشريط، ولاءه لابن لادن فكرياً وسياسياً، وانخراطه في الحرب الكونية العالمية الاستراتيجية للقاعدة، مع الاعتراف أنّ تنظيمه فتح الإسلام ليس جزءاً رسمياً من تنظيم القاعدة، ما يؤكد التحليلات السابقة حول فتح الإسلام وجيش الإسلام وغيرها من تنظيمات جديدة، بخاصة في المخيمات الفلسطينية، إذ تتبنى هذه المجموعات مشروع القاعدة، دون أن تتورط القاعدة بكلفة ذلك، إلا بعد أن تُثبت هذه المجموعات "كفاءتها" وقدراتها، ثم يسمح لها بتقديم "أوراق الاعتماد" والانضمام رسمياً لشبكة القاعدة، كما حدث مع تنظيم "الزرقاوي في العراق"، الذي انتظر سنوات قبل مبايعته لابن لادن. وإن كانت بعض خلافات الزرقاوي الفكرية مع قادة "القاعدة الأم" هي من اسباب تأخر الزرقاوي في تلك البيعة.

الجانب الأخطر والأهم في خطاب العبسي هو في المفاهيم الحاكمة لرؤيته الفكرية ومواقفه السياسية؛ فالجيش اللبناني، على الرغم من وجود عدد كبير من "الجنود السنة" هو "جيش الصليب" لأنّ رئيسه ميشيل سليمان مسيحي. ويصل العبسي إلى تكفير الجيش بأكمله "إن كل من يقاتل تحت راية ميشال سليمان وقيادته كافر، وهذا لا خلاف فيه بين العلماء"!

وهدف تنظيم العبسي ليس "تحرير فلسطين"، كما ادّعى بعض أنصاره لحظة المواجهات بين التنظيم والجيش اللبناني، بل هو "رفع راية الإسلام في بلاد الشام.. فهل يُعقل أن تكون فيها لليهود دولة ودولة للنصارى ولا تكون فيها دولة للمسلمين".

إن مضمون هذا الخطاب، بما لا يقبل التأويل أو التحايل عليه وتلطيفه، هو بمثابة إعلان "حرب أهلية" داخل المجتمعات العربية، وتقسيم هذه المجتمعات على أسس طائفية (سني- شيعي)، دينية (مسلم- مسيحي) وإقصائية (من يخالف هذه الجماعات كافر، ومن يؤيدها مجاهد ومسلم موحد).

لا مكان في خطاب العبسي لمفهوم المواطنة وقيمها، ولا لمبدأ "العيش المشترك" و"السلام الداخلي"، ما دام المجتمع ينقسم إلى أهل الولاء والبراء. ولا اعتراف بمؤسسات الدولة ورموزها السيادية ما دامت على غير النهج الذي يتبناه الرجل ومجموعته. ولا حرمة بعد ذلك لدماء أحد في المجتمع ما دامت لهجة التكفير والفتنة والشك والريبة هي النافذة والحاضرة بين أطياف المجتمع وأفراده.

باختصار؛ إنّه خطاب "ما قبل الحداثة" يقدّم أسوأ صورة وأبشع مستوى من العلاقات يمكن أن يسود في المجتمعات العربية والمسلمة. وإن كان العبسي نموذجا فكريا وسياسيا قُدِّر له أن يلعب دوراً فإنّ الساحة الإسلامية، للأسف، تنغل بمجموعات وأفراد تتبنى هذا الخطاب وتلك الأفكار الكارثية.

خطاب العبسي يعيدنا مرّة أخرى إلى جدلية الموقف من القاعدة ومجموعاتها، وتحديداً في أوساط سياسية وإسلامية عربية، وبالتحديد ذلك الجدل الذي ثار بعد حادثة عزاء الزرقاوي بين الحكومة الأردنية وجماعة الإخوان المسلمين، فالجماعة تذرّعت بازدواجية سياسية وفكرية تقوم على إدانتها لعمليات القاعدة ضد الأبرياء والمدنيين وتأييدها لعمليات القاعدة ضد قوات الاحتلال الأميركي.

وفي الحقيقة هذا الموقف الفكري في غاية الضعف والارتباك، ويؤكد ذلك خطاب العبسي الأخير، لأسباب رئيسة:

أولاً؛ أنّ هذا الموقف يجعل مواجهة الاحتلال الأميركي مقدَّمَة على مقدار الضرر والتضليل الذي يصيب المزاج العام للشارع العربي، بالخصوص فئة الشباب، وذلك باستمرار منح "الشرعية الضمنية" لهذه الجماعات، وعدم كشف الوجه السيئ والخطر لها على المجتمعات العربية. لأنّ الموقف من هذه الجماعات لا يقبل التجزيء ولا القسمة على (2)، وتأثيرها على السلم الأهلي وقيم العيش المشترك والمواطنة أخطر وأهم من دورها في مواجهة الاحتلال الأميركي.

ثانياً؛ أنّ هذا الموقف يتجاهل الأصول الصحيحة التي تتأسس عليها حركات النضال والجهاد والكفاح الوطني، ما يؤدي مع مرور الوقت إلى تشويه صورة تلك الحركات والإخلال بدورها المقصود. والخشية تقع اليوم على النضال الفلسطيني ببروز هذه المجموعات "القاعدية" الجديدة داخل المخيمات، كفتح الإسلام في مخيم نهر البارد، وعصبة الأنصار في مخيم عين الحلوة، وجيش الإسلام في غزة.

ثالثا؛ أنّ هذا الموقف يقفز على "الدور التنويري" المطلوب من الحركات الإسلامية تجاه مجتمعاتها وأفرادها. فهنالك تغليب واضح يستبطنه الموقف الحالي لاعتبارات الصراعات الإقليمية على المشاريع التنويرية والنهضوية التي يفترض بالجماعات "المعتدلة" تبنيها، وفي مقدمة ذلك مواجهة الأفكار الكارثية التي تقدمها الجماعات والمجموعات القريبة من خطاب العبسي وتصوراته.

كيفما قلّبت المواقف والآثار فإنّ نموذج العبسي، وإخوانه، هو وبال على المجتمعات العربية وتعبير عن خطورة السيناريوهات القادمة في سياق حالة التدهور العام الجارية.

[email protected]