وقفة مراجعة مع فك الارتباط

يعيد تقرير هيومن رايتس ووتش ملف سحب الجنسية الى الواجهة، وهو على كل حال موجود وساخن ويومي تحت السطح، وبضع حالات كل شهر تبعث بتيار كهربائي تأزيمي عالي الفولتية في الشعور العام، ويكفي الجلوس مع أي واحد ممن طالهم "التصويب" لتسمع تفاصيل الكارثة  الشخصية، التي حلّت بالشخص المعني ومستقبله وحياته، وهو غيض من فيض يتضخم بالتناقل ويعمق مشاعر القهر والضغينة.

اضافة اعلان

في تقريرها بعنوان "بلا جنسية من جديد!" تطلب المنظمة وقف سحب الجنسية للأردنيين من أصل فلسطيني، وتعيين لجنة مكلفة بمراجعة مستقلّة لجميع حالات سحب الجنسية وإعادة الجنسية لجميع من حرموا منها تعسفا ومنحهم حق الطعن في المحاكم إذا استمر سحب الجنسية، وأكثر من ذلك مدّ الأفراد بالتعويض عن الخسائر المادّية جرّاء ما نتج عن السحب التعسفي للجنسية من خسائر مالية وفرص ضائعة في التعليم والعمل والحياة العائلية.

إلى هذا انتهينا بسبب الخطيئة الأصلية في صيغة القرار الأصلي لفك الارتباط وتعليماته التي تقول بأن كل من يتواجد على أرض الضفة الغربية في تلك اللحظة فلسطيني ومن في الضفة الشرقية أردني، وهات فكّر في مئات الآلاف المتواجدين في الخارج أو مؤقتا هنا أو هناك بين الضفتين وانقسام الأسر وتفاصيل متوالية مع الزمن وقيام السلطة الفلسطينية وانتقال الناس وتنقلهم هنا وهناك والحسم في كلّ ذلك لموظفين يتحملون المسؤولية عن الاجتهاد في قرار مصيري في حياة الناس. وقد دعا التقرير الى توضيح "معنى تعليمات فك الارتباط" الى جانب إجراء مراجعة لدستورية هذه التعليمات. نعم يجب إجراء مراجعة. فالوضع ليس معقولا، وسيبقى الاردن متهما بشدّة بالقيام بأخطر عمل غير دستوري وغير إنساني تقوم به دولة وهو سحب جنسية مواطنيها وتركهم للمجهول بلا جنسية، وقد تكتفي الردود الرسمية بعد إعلان التقرير في المؤتمر الصحافي اليوم بدفاع متوتر ينفي التهم ويتمترس عند الالتزام الدقيق بتنفيذ القانون وأن ما يجري ليس "سحب جنسية".

هذا لا يكفي ويجب التوقف مرّة وإلى الأبد بصورة جذرية أمام الموقف. فالقصّة طويلة وحلّ القضية الفلسطينية ليس منظورا في الأفق المرئي. جذر الخطأ هو في الصيغة الملتبسة والقاصرة لفك الارتباط "القانوني والإداري" التي لا يمكن دستوريا وفي الجوهر أن تعني إلغاء جنسية مواطنين أينما كانوا يقيمون، بما في ذلك في الضفة.

إذا لم يكن قرار فكّ الارتباط يصلح كأساس لفرز الجنسية، فما هو الأساس؟ يمكن فتح نقاش قانوني ودستوري وسياسي وقد تكون النتيجة هي إنشاء قرار وفق آلية دستورية موثوقة بإلغاء وحدة الضفتين بما ترتب عليها من وجود جنسية واحدة أردنية للجميع. ويكون القرار التالي الذي يوضع بالتفاهم والإعلان المشترك مع السلطة الفلسطينية بأسس الفرز بين الجنسية الأردنية والفلسطينية، وبحيث لا تبقى هناك حالة شاذّة اسمها "من دون جنسية"، فكل فرد يجب أن يحمل إما الجنسية الاردنية أو الفلسطينية وهي الآن معترف بها دوليا، وسيكون هناك من يحملون الجنسية الفلسطينية ويعيشون فعلا في الضفة وغزّة وهناك من يحملون الجنسية الفلسطينية ويعيشون في الاردن مؤقتا، وهناك أوضاع خلافية أو معلقة لأناس يحتاجون معيشيا وحياتيا الجنسية الاردنية، وهنا يمكن إنشاء وضع خاص بالحصول على جواز السفر والهوية وجميع الحقوق المدنية واستثناء الحقوق السياسية فقط مثل حق الترشيح والانتخاب، وهذه الصيغة قد تكون مريحة ومطمئنة وصحية، للتعايش من دون مخاوف أردنية من نوايا هيمنة  ومن دون مشاعر فلسطينية بالتمييز والإحباط.

[email protected]