ولاية الفقيه وثنائية الخطاب !

قبل ما يقارب الخمسة عشر عاما، كنت على مقعد الدرس في الجامعة اللبنانية طالبا في مرحلة الماجستير، وكنت من المحظوظين الذين تسنى لهم أن يأخذوا مادة مناهج البحث التاريخي عند الدكتور وجيه كوثراني. وأذكر في هذا السياق أنني قد تقدمت ببحث عن كتاب المفكر الدكتور فهمي جدعان "أسس التقدم عند مفكري الإسلام"، وتوسعت في مفصلية عالجها الدكتور جدعان تتعلق بالمهدي المنتظر، ما أثار حفيظة بعض من الزملاء الذين كانوا يشاركونني الدراسة.

وأذكر في هذا السياق هجوم الزميل ماهر قبلان المباشر على الأفكار التي أوردتها عن المهدي المنتظر، والتي لا تتفق وخلفيته العقائدية، رغم أن النقد الذي وجهه لي كان ينصب على عدم فهم اللهجة التي أتحدث بها، علما أنني كنت أتحدث العربية ولم يكن باستطاعتي التحدث بالعامية اللبنانية، وهي بالنسبة لي لا تتفق وطبيعة شخصيتي، فهي لهجة موغلة بالنعومة.

وأذكر في هذا السياق أنني رددت عليه بمثل ما تحدثت آنفا، ومن ضمن ما رددت به أن لغة الخلاص من واقع الضعف والاستكانة وانحدار الأمة إلى أدنى مستوياتها وسيادة الظلم، لا يمكن لها أن تتم في لحظة الخلاص التي تنتظر شخصا بعينه ليقوم بهذا العمل، بل هي صيرورة تاريخية تتطلب العمل والعلم للخروج من عنق الزجاجة التي تعيشها الأمة.

وهذا ما وافقني عليه الدكتور وجيه كوثراني ولجم الكثيرين ممن لم تعجبهم هذه الطروحات. وكوثراني ينحدر من عائلة شيعية يشهد لها بالعلم في الفقه الجعفري. ما أعاد هذا المشهد إلى الذاكرة تلك المحاضرة التي نقلتها وكالات الأنباء والتي عقدت في منتدى الجاحظ الفكري بالعاصمة التونسية عن "فقه الإصلاح الشيعي ومستقبل نظرية ولاية الفقيه"، وحزب الله اللبناني والتيار الإصلاحي الإيراني.

تلك المحاضرة اتسمت بالعلمية والجرأة في الطرح اللتين تميزان المثقفين والسياسيين في لبنان، فقد تناول في محاضرته مستقبل "حزب الله" "وحركة أمل"، عندما أشار إلى أنّ حزب الله لا يلخص الطائفة الشيعية في لبنان، فهناك أغلبية صامتة إضافة إلى أمل وحزب الله، وأضاف كوثراني أنّه بعكس الواقع الراهن كانت الطائفة الشيعية قبل الحرب تغذي المشهد السياسي بمختلف تلويناته، وسُجل وجود للشيعة حتى في الحزب الشيوعي اللبناني، وهذا ما تؤكده الحقائق. وليس أدل على ذلك من وجود أعلام كبيرة في الفكر الماركسي اللبناني من أمثال حسين مروة ومهدي عامل.

اضافة اعلان

ويشير كوثراني إلى أنّ مصدر قوة حزب الله في لبنان هو القبضة الأيديولوجية وإشعاعه بفضل المقاومة وبناء مؤسسات ضخمة اجتماعية واقتصادية وتربوية. وإن حزب الله يقوم على وجهين، فهو من ناحية سياسي براغماتي ناجح ثم هو تنظيم عقائدي يوظف هذا الجانب في المقاومة من ناحية أخرى، مشيرا إلى أنّ هناك تراتبية في خطاب الحزب عن المسألة اللبنانية بين خطاب يتقنه وزراء ومثقفون في الحزب، وفي الوقت نفسه خطاب عقائدي وعظي داخلي قائم على ولاية الفقيه والانضباط لها، وأنه من الصعوبة بمكان أن تستمر هذه الثنائية على المدى البعيد!

[email protected]