يعشقون "الريال" أكثر!

لم أتعجب من فعل ابن جيراننا محمود، الذي رقص بعد فوز برشلونة أكثر مما رقص في عرس خاله محمود. ولم أعترض، بكل تأكيد، على شيبات الوقار لجارنا الذي أحترم وأجلّ، حين شاهدت عينيه تدمعان لأجل خسارة ريال مدريد، مع أنه حين خسر عمته الوحيدة "نوفة"، وأم زوجته التي أعطته 10 دونمات مزروعات زيتونا، لم تدمع له عين. ولم أعاتب شيخ الحارة الفاضل الذي سارع بعد الخسارة إلى رمي الاتهامات جزافا بأنها "مبيوعة"؛ ذلك الرجل الذي كنت أعتقد أنه ينتظر الليل ليسجد ويقيم ويكبر من أجل حسن الخاتمة، لكنه صدمني حين شاهدته يشتم ويهدد ويتهم من أجل عيون "الريال"!اضافة اعلان
قلت: دعهم، فتلك المباراة متنفسهم الوحيد، وهي بلسم جراحهم، وهي فترة استراحتهم من مشاهد الدم والقتل والدمار التي أصبحنا نشاهدها في كل مكان!
لم أتعجب من ثورة الأردنيين وعنفوانهم بعد تلك المباراة، فهم طوال حياتهم محرومون من "التكتيك"، وقد شاهدوا في تلك المباراة أن اللاعب لا يخطو خطوة واحدة في الملعب إلا وفق ما هو مرسوم في الخطة، وأن المدرب بعد صافرة البداية لا يستطيع أن يفعل شيئا، بينما في ملاعبنا المدرب مثل المسؤول الحكومي لا يتحرك ولا يتكتك إلا بعد أن يدخل مرماه الهدف الأول! شاهدوا كيف أن المدرب عندهم فقط يعطي بعض الإرشادات، بينما في ملاعبنا تجده يصيح من الدقيقة الأولى: اقتحموا.. انتشروا.. سدووا. سبحان الله! تعليمات المدرب في بلدنا نفس تعليمات مدير البحث الجنائي!
دع الأردنيين يتمعنون بمأساتهم. في إحدى المرات، حين أحضر أحد الأندية مدربا أجنبيا قديرا، خسر الفريق في جميع المباريات. وحين قرر استبداله بمتقاعد من الإقراض الزراعي، فاز الفريق في جميع المباريات. أيضا، حين يتم تعيين مسؤول على كفاءة واقتدار بعد أشهر، يفشل ويستقيل، بينما حين يتم تعيين من هو قادر على رفع الأسعار، يخلد ويصبح محط انبهار. هي المأساة نفسها في الملعب أو في المنصب، حين تغيب الخطط ويلعب اللسان؛ لا يمكن بعد ذلك أن يأتي الفوز أو المنصب أو حتى "الرفع" إلا من "تسلل"!
دع الأردنيين يدركون حجم الفاجعة، وهم يستمعون لتحليلات المدربين الأجانب قبل المباراة، وعندما تبدأ تجد صدق ما حللوا وتوقعوا، حتى يخيل لك أن أحدهم "عراف" وليس "مدربا". بينما في بلدنا، لا تجد أي فرق بين تحليل المدرب وتحليل المسؤول. المحلل: الفريق يفتقر للإمكانات الهجومية. المسؤول: البلد يفتقر للموارد الطبيعية... المحلل: الفريق يعاني من الإصابات. المسؤول: الأردن يعاني من تدفق اللاجئين... المحلل: سيضطر للاستعانة بالبدلاء. المسؤول: سنضطر للاستعانة بالدول المناحة... المحلل: ستكون هناك خطة لمواجهة اندفاع المهاجمين. المسؤول: سيكون هناك خطة لمحاسبة الفاسدين... المحلل: توقعاتي بعد الهدف الأول أنه سينهار الفريق. المسؤول: توقعاتي إذا لم نرفع أسعار "القنبيط"  سينهار الدينار.
سيدي، في أي بلد حين يصلح التحليل نفسه للسياسة و"الفطبل"، لا تعاتبهم على غيرتهم وعنفوانهم، ولماذا يعشقون "الريال" أكثر!