10، شارع الوالد..

بعيداً عن إحالة ملف مشروع التسمية والترقيم إلى مكافحة الفساد، فقد تَكشِف الأيام أن التسميةَ والترقيم برمته بحاجة إلى التحقق والسؤال، حول الآلية التي تتم بها تسمية شارع بعينه وكيف يصار إلى إطلاق أسماء شخوص على شوارع رئيسية دون النظر الى تاريخها؟!اضافة اعلان
في بعض الشوارع البعيدة عن العيون، انتُزعت أسماءُ شهداء جادوا بأرواحهم حتى (تُزهزه) الدنيا لاصحاب المقام الرفيع من المسؤولين.. واحتلت اسماء اباء واجداد بعضٍ من رؤساء اللجان البلدية..مكانها.
من باب المصادفة البحتة أن يقع قصرُ المُتنفذ في شارعٍ سُميَ باسم والده، وكأنه تلاقي الأرواح المجندة، وهنا أسأل نفسي عادة أيهما كان قبل الآخر، القصر ام اسم الشارع لاكتشف ان المعادلة أسهل بكثير وأن قيمة، تسمية شارع باسم فلان حتى لو لم يقدم للبلد ما يؤهله للتربع على خاصرة الطريق لم تكن بهذه الأهمية لولا أن تكررت المسألة!
لعل الارتجالية والمحاباة التي اتسمت بها أعمال اللجان ومجالس التسمية والترقيم وتحكمت بمعايير تسمية الشوارع في عمان وخارجها هي التي أوصلتنا الى ما نحن عليه من فوضى الأسماء على لافتات الأعمدة المحاذية لشوارع بيوت أهل السلطة والمال.
حتى مع مشروع "العنونة" الذي أطلقته الأمانة منذ سنوات تسهيلا على الناس والزوار والبريد، وبعد أن كان الوصول إلى عنوان في أحد أحياء عمان، مهمة شبه مستحيلة.. لم تختف الارتجالية وبقي الرياء والانتقائية، وظلت شوارع تحمل أسماء لم تقدم لبلدها إلا أبناء وصلوا إلى قمة النفوذ والعلاقات..لحسن حظ العمانيين، أنهم لا (يقبضون) هذه التسميات المنافقة بجد، فيبقونَ على الأسماء المُتعارف عليها للشوارع دون الالتفات إلى سكانها الجدد.. ولحسن حظنا أن لدينا قوائم طويلة ممن يستحقون أن تسمى شوارع ومدن بأسمائهم، من شهداء ومؤسسين ومُبدعين، وأسماء رفعت اسم الأردن وعلمها عالياً.. قوائم تفوق أعداد الشوارع نفسها، وتزيد العمانيين فخراً بأن تتردد على ألسنتهم..
فما المعايير إذن غير العشوائية في تلزيم شوارع بطولها وعرضها لأسماء لا نعرفها ولم نعلم عنها تميزاً أو عطاء أو حتى انتماء لتراب عمان بأكثر من أيٍ من أبنائها.
علينا وقد تراءى لي أن صفعة الدرس السابق، قد أفاق الكل وان صفحة جديدة لعلها تُفتح بين الأمانة والعمانيين اليوم، بعد أن تُدمل جراح الباص السريع وعطاءات التكريم والتخبط الإداري الذي كلف المليارات، أن يُعاد النظر بآليات التسمية وان ننتصر لأسماء غابت ولأرواح بُذلت ولمبدعين أهدوا نجاحاتهم لعمان، وان ننزع تلك الأسماء التي هي نتاج النفاق، لعلنا نتعرف على شوارعنا بأفضل مما نحن عليه.
لطالما اُضطررنا لعنونة رسائلنا بإشارات معقدة على نحو" دخلة أبوالعبد، خلف ملحمة عنبة، رابع بيت على اليسار"، ونَبقى في قلق عدم الوصول، فيما أشقاؤنا في القاهرة يحتاجون على الرغم من اتساع المدينة..إلى الكتابة ببساطة.." 10 شارع المجد الزمالك" فتصلُ الرسالة.
في عمان يمكنك أن تجد من يصف لك عنوانه الآن، بمنزل 10" شارع الوالد..سهل"!!