2010 عام اقتصادي بامتياز

متعددة هي التحديات الاقتصادية التي تنتظر رئيس الوزراء المكلف، سمير الرفاعي، لا سيما تلك التي عصفت بالاقتصاد الوطني خلال العام 2009 نتيجة تبعات الأزمة العالمية وضعف الفريق الاقتصادي وعدم انسجامه.

اضافة اعلان

ننتظر تشكيلة الرفاعي وفي الواجهة كثير من الإشكاليات الاقتصادية، وليس أهمها، النمو الاقتصادي الحقيقي الذي لم يتجاوز 3% في النصف الأول من هذا العام، في ظل تراجع معدل التضخم بنسبة 0.7% خلال الثلاثة أرباع الأولى.

ومن الملفات التي تنتظر الرئيس أيضا، انعكاس تراجع النمو الاقتصادي على الإيرادات المحلية، والتي من المتوقع أن يبلغ معدل نموها 3.9% فقط عن حجمها خلال عام 2008 مقارنة مع نسبة 19% استهدفها قانون الموازنة، لتنخفض بذلك الإيرادات المحلية عن المستهدف.

وتزامن تراجع الإيرادات مع انخفاض المساعدات بنحو 280 مليون دينار عن حدها المستهدف في قانون الموازنة، ما جعل المالية العامة في مواجهة تحديين كبيرين؛ الأول تباطؤ معدل النمو الاقتصادي، والثاني حماية الموازنة العامة من زيادة كبيرة في العجز جراء تباطؤ الإيرادات.

السياسة المالية المعنية بمواجهة هذين التحديين تجابه بالعديد من المحددات لاسيما ما يتعلق بمعدل النمو الاقتصادي؛ أولها عدم قدرة الموازنة على زيادة الإنفاق العام المرتفع أصلا الذي تزيد نسبته من الناتج عن 55%، حتى إن الخبراء الدوليين الذين أوصوا بحفز نمو الاقتصاد العالمي من خلال السياسات المالية أكدوا أن هذه التوصية لا تنطبق على الدول التي تعاني من ارتفاع في نسب المديونية ولديها فجوة في العجزين الداخلي والخارجي.

أما المحدد الثاني الذي تجابه به السياسة المالية فيتعلق بطبيعة الاقتصاد، فالأردن التي تصنف ضمن الدول النامية يعد أثر الإنفاق العام محدودا على النمو الاقتصادي بسبب ضعف كفاءته، إضافة إلى أن الدول المنفتحة خارجيا والتي تعاني من ارتفاع في عجز الحساب الجاري مثل الأردن فإن زيادة الإنفاق تزيد من فجوة هذا العجز لأن جزءا كبيرا من هذا الإنفاق يتجه للمستوردات.

بيد أن تركيز السياسات المالية على تحفيز النمو الاقتصادي من خلال تعديل عدد من التشريعات الاقتصادية التي تركز على حفز النمو الاقتصادي على المدى المتوسط من خلال القطاع الخاص أمر مطلوب خلال فترة عمل الحكومة الجديد، بدلا من الاعتماد على الإنفاق العام، اذ بلغ النمو الاقتصادي مستويات منخفضة لم تتجاوز 3%.

أما موضوع عجز الموازنة؛ فهو أخطر مشكلة ستواجه الرئيس الملكف، إذ يتوقع أن يصل 1.2 بليون دينار مع نهاية العام الحالي، إذ تفاقم هذا المؤشر لأسباب ترتبط بانخفاض الإيرادات والمنح، التي تسبب بها أكثر من عامل، على رأسها تفاؤل خطا الحكومة السابقة التي نجمت عن خطأ تقديرات دائرة ضريبة الدخل والمبيعات بحجم الإيراد المتوقع خلال العام الحالي.

إلى الآن لم تتمكن الاجراءات التي اتخدت لتقليص العجز، ولم تفلح في وقف حالة التوسع والتزايد في هذا المؤشر، رغم انها ركزت على تخفيض النفقات بشكل يعوض تراجع الايرادات.

سياسة الحكومة تفرعت، ما يدلل على حالة تخبط في الحد من تأثير الازمة العالمية، بعد ان بدأ الحديث عن خطة تحفيز مطلع العام الحالي تم إلغاؤها والحديث عن خطة التحفيز التي تركز على  الحكومة من خلال زيادة الانفاق، كما تم وقف عملية اجراء مناقلات بين بنود الموازنة لتجنب عدم التوسع في الانفاق، ورفض الطلبات المتعلقة  بتدبير مخصصات لعدد من الانشطة والبرامج التي لا تعتبر ذات اولوية في هذه المرحلة.

العام 2009 انقضى من دون اصدار ملاحق موازنة، ولم يكن السبيل الى ذلك يسيرا اذا تم رفض طلبات متكررة لتدبير مخصصات لمشاريع من خلال اصدار ملاحق موازنة على غرار ما كان يتم في السنوات السابقة، ولجأت حكومة الذهبي الى وقف عدد من المشاريع غير المهمة في هذه المرحلة بحوالي 154 مليون دينار، اضافة الى عدم استغلال الوفر المتحقق على بعض بنود الموازنة (دعم المحروقات والمواد التموينية وشبكة الامان الاجتماعي) في اجراء مناقلات وصرفه على بنود اخرى.

وعكفت وزارة المالية على وضع آلية واضحة للاقتراض الخارجي وبحيث تم رفض العديد من طلبات الاقتراض التي ترتب زيادة في النفقات العامة خلال هذا العام والسنوات المقبلة.

بالمقابل، سعت الحكومة الى الاقتراض الخارجي الميسر والموجّه فقط لدعم الموازنة العامة بحيث لا يؤدي ذلك الى استحداث مشاريع تزيد في حجم الانفاق وزيادة العجز، حيث ركز الاقتراض على الحصول على اموال  لتمويل العجز بسعر فائدة يقل عن نصف سعر الفائدة المحلي.

كمحصلة لهذه الاجراءات من المتوقع ان تنخفض النفقات بحوالي 395 مليون دينار عن الحد المسموح به في قانون الموازنة وستسجل النفقات في عام 2009 نموا نسبته 6.2% وهو اقل معدل تسجله النفقات منذ سنوات طويلة.

ويتوقع أن تتراجع الإيرادات العامة بحوالي 884 مليون دينار، الامر الذي يعني ان عجز موازنة عام 2009 سيرتفع بمقدار 490 مليون دينار ليصل الى 1178 مليون دينار او ما نسبته 7.3% من الناتج، الا ان خفض النفقات ساهم بكبح جماح العجز اذ كان يتوقع ان تجاوز العجز 1.5 بليون دينار او ما نسبته 9.3% من الناتج.

المديونية العامة، تنتظر هي الاخرى على مكتب الرئيس المكلف، لا سيما وان قيمتها زادت  من 8550 مليون دينار في نهاية عام 2008 الى 9500 مليون دينار حاليا اي بواقع 950 مليون دينار وهي انعكاس لعجز الموازنة.

وطرأ ارتفاع على الدين الداخلي بالمقارنة بمستواه في نهاية عام 2007 نتيجة استخدام حوالي 1.5 بليون دولار من رصيد عوائد التخاصية الذي كان يساهم في تخفيض صافي الدين الداخلي في تسديد صفقة الشراء المبكر لديون نادي باريس، الامر الذي يفسر بان التراجع الذي طرأ على رصيد الدين الخارجي انعكس في زيادة صافي الدين الداخلي.

اما موازنة عام 2010 والتي كانت اخر القرارات من حكومة الذهبي المستقيلة فتم إقرارها كقانون مؤقت، وكرست هذه الموازنة سياسة اجراء المزيد من التخفيض في النفقات العامة لمواجهة مخاطر تباطؤ الايرادات وذلك بهدف اعادة ضبط العجز الى مستوياته الامنة وتعزيز الاستقرار المالي وعدم تجاوز نسبة الدين في عام 2010 للنسبة التي حددها قانون الدين العام.

فهذه الموازنة قلبت نهج الحكومات السابقة في التوسع في الانفاق، فبدلا من زيادة النفقات بنسبة تجاوزت 13% كما هو الحال في السنوات الماضية، فقد تضمن هذا البلاغ اجراء تخفيضات جوهرية على النفقات.

السير في تطبيق هذه الموازنة من عدمه يعتمد على الرؤية الاقتصادية لرئيس الحكومة الجديد، وقناعاته بجدوى زيادة الانفاق في تنشيط الاقتصاد ودفع عجلة النمو، الا ان الموازنة التي باتت قانونا الان، تفرض الالتزام بحذافيرها وهذا ليس بالامر الهين، فهذه الموازنة انكماشية بكل ما تحمله الكلمة من معنى وتنفيذها يتطلب ايمانا بها، ويحتاج الى ادوات وفريق يدرك التحديات الاقتصادية التي يعانيها الاقتصاد وعلى راسها العجز والدين.

في موازنة العام المقبل، انخفضت النفقات الجارية بحوالي 8 مليون دينار رغم الابقاء على الزيادة الطبيعية في الرواتب، وتخصيص النفقات المتعلقة بالحماية الاجتماعية، وتم نقل بعض بنود الانفاق الرأسمالي ذات الطبيعة الجارية إليها.

التخفيض في النفقات الجارية لم يكن قرارا سهلا كونه يعد درجة في سلم الاصلاح الذي ننشده، فهذا التقليص بني على قرارات تتبنى وقف التعيينات في الجهاز الحكومي وفي المؤسسات المستقلة وحصرها فقط في قطاعي التربية والتعليم والصحة وذلك لمقابلة الطلب على خدمات هذين القطاعين بسبب الزيادة السكانية.

اسس ضبط الانفاق وتفاصيلها تعد بذاتها تحديا للحكومة الجديدة؛ اذ بنيت موازنة 2010 على بند اساسي هو ترشيد وضبط في النفقات التشغيلية للوزارات، وعدم زيادة الرواتب بشكل استثنائي والاكتفاء بالزيادة السنوية الطبيعية فهل ستتمكن الحكومة الجديدة من الالتزام بهذه القرارات.

كما ان الخطة المالية للعام المقبل افترضت تخفيض المخصصات المتعلقة بالنفقات الطارئة وببرنامج النفقات العامة، لحث الوزارات على الاعتماد فقط على مخصصاتها في تمويل نشاطاتها، وللحد من الطلبات المتكررة لوزارة المالية في تمويل نشاطات وبرامج لم يرصد لها مخصصات في موازنات هذه الوزارات.

إذن الوفاء بموازنة 2010 سيحتاج إلى جهد كبير وهو بحد ذاته تحد للحكومة الجديدة، فعدم تطبيق القانون المؤقت لموازنة العام المقبل، سيكون له نتيجة واحدة هي اللجوء إلى إصدار ملاحق موازنة، لتغطية النفقات الوائدة عن المقرر.

تخفيض نفقات الموازنة من خلال ترشيد إنفاق المؤسسات والوحدات الحكومية المستقلة ودمج الشبيهة منها والتوقف عن استحداث أي مؤسسات جديدة، أمر ينتظر حكومة الرفاعي، بخاصة وان ضبط إيقاع هذه المؤسسات سيساهم بتخفيض النفقات التشغيلية والرواتب على المدى المتوسط، وذلك لزيادة اعتمادها على الذات وتقليل الدعم الذي تحتاجه من الموازنة المركزية المقدر 364 مليون دينار في 2009 وتقليل العجز الذي تسجله هذه المؤسسات.

رسم خريطة طريق لسياسة الحكومة الاقتصادية ليس أمرا هينا، والتقليص من المخاطر التي تلوح في الافق نتيجة تزايد العجز والمديونية ليست سهلة ومجابتها تحتاج الى وزراء يتسلحون بالمعرفة والخبرة واهم من ذلك كله ادراك حجم الخطر المتوقع خلال العام المقبل.

[email protected]