LOST

غيّرت زوجتي محطة التلفزيون فجأة، قبل سنوات، لتشاهد افتتاح محطة mbc action، فكانت تبث الحلقة الأولى من الجزء الأول من مسلسل LOST، ومن دون سابق تحضير، وجدت نفسي مشدوداً للمسلسل منذ تلك اللحظة، حتى حافظت على متابعة حلقاته واحدة بواحدة، وقد وصل الآن جزأه الخامس.

اضافة اعلان

من علامات ولعي بالمسلسل، أني حافظت على مدار هذه السنوات على الذهاب دورياً إلى وسط البلد لابتياع كل حلقة جديدة، بل أنني خلال فترات توقف المسلسل، بين كل جزء وآخر، كنت أسأل الباعة المتخصصين من فترة لأخرى عن أخبار LOST وما إذا أعلن موعد بدء بث جزئه الجديد. كذلك فإنني أحرص على قراءة أخبار المسلسل في الصحف، وأعتبر ما يكتب عنه أمراً يخصني مباشرة!.

المسألة بالتأكيد لا تتعلق بنجوم العمل، ولا بجودة إخراجه وإنتاجه بالدرجة الأولى، بل بقصته، وما تنطوي عليه من تجربة مميزة.

يحكي المسلسل قصة مجموعة من الرجال والنساء، تسقط طائرتهم المتوجهة من أستراليا إلى الولايات المتحدة، في جزيرة يظنونها أول الأمر مهجورة، فإذا هي جزيرة عجيبة لها خصائص مختلفة عن باقي مساحات الأرض. تتوالى الأحداث مع احتكاكهم بسكان "آخرين" في الجزيرة، لهم برامجهم وأبحاثهم، ثم تتشعب الحكاية لتحكي قصصاً تشبه كل واحد منّا، وليس ثمة ما أختم به في وصف المسلسل، لأنه لم ينته بعد.

ما شدني في LOST هو تلك الفرصة التي أتيحت لكل واحد من ركاب الطائرة، لبدء حياة جديدة، سوى تلك التي خبروها في ديارهم. لقد أتيح لهم أن يغادروا الحياة من دون أن يموتوا، وأن يعيدوا بناء علاقات إنسانية بعيداً عن المصالح المادية المباشرة.

لقد حلمت دائماً بأن تتاح لي فرصة كهذه، ولهذا غبطت جاك وكيت وجون لوك وسعيد وجين والآخرين، على ما أتيح لهم ولو كان محض تمثيل. إنني كالآخرين من أقراني في هذا العالم العربي المليء بالفوضى، أرفض هذا الواقع ولا أقبل أن أتصالح معه على علاته. أتمنى أن يتاح لنا أن نبدأ من جديد، فلا نتحمل وزر الأسلاف وتبعات الأجداد، وأن نكتب حاضرنا بأيدينا، ونصنع مستقبلنا وفق حاجاتنا ومصالحنا، متحللين من تلك العقد التي نفرضها على أنفسنا بالإكراه، ونسميها عادات وتقاليد، ملتزمين بها، مع علمنا أنها تعطل تقدمنا ونهوضنا.

أعلم أن تمني الضياع الذي أصاب هؤلاء القوم على تلك الجزيرة، إنما يعكس غربة عميقة عن المجتمع والناس وتفاصيل الحياة. وإذا كان هذا الشعور بالغربة عامّاً، ومنتشراً، فهو يوفر تفسيراً لكثير من التوترات التي تعتور علاقاتنا الاجتماعية، فهي إذن انعكاس لشعور بالهامشية وضعف التأثير، يحسّه كل واحد منّا، يرى الخطأ ويعرف الصواب ويحلم بتطبيقه، لكنه لا يستطيع إلى ذلك سبيلاً.

هكذا إذن: يشعر واحدنا بضعفه وتعطّل طاقاته، فيتهم تلك الشروط التي تقيّدنا بأنها السبب، لذلك يحلم بـ"حياة جديدة" ليس فيها شروط مسبقة، ويظن أنه سيكون قادراً ساعتها على فرض الصواب وتجنّب الخطأ، بغرض العيش بسعادة ورضى. LOST ليس كذلك طبعاً، برغم أنه بدا كذلك في أجزائه الأولى، فالنفس البشرية تستعيد طبائعها دائماً، وتعود لحسابات المصالح، فتظهر التوترات بين مجموعة البشر، ولا يكون ثمة سعادة ولا رضى!.

ختاماً، أعتذر للقارئ الكريم عن جرعة "الأنا" الزائدة التي تضمنها هذا المقال. لقد تحدثت عن نفسي وفهمي للحياة، لكني أظن أن ثمة من يشاركني هذا الفهم على أية حال.

[email protected]