أبطال الملاعب!

أشفق على كل واحد لم يجرب لعبة "رن الجرس واهرب"! ولا يبتسم طرف شفته لما يسمع صدفة أغنية افتح يا سمسم أبوابك نحن الأطفال. أشفق على من لا تحتفظ جبهته بعلامة فارقة لشقاوة ما، ولا يتحرك ريقه لإعلانات "الفيمتو". أحزن فعلا على من لم يشارك في عملية فتح علبة "التوفي" المخبأة سرا وتركها محشوة بأوراق الحلوى الفارغة. وأتحسر على أيام لم أقضها كلها في الحارة حتى مغيب الشمس، لأنني فضلت مثلا أن أقرأ رواية عبير مهربة، أو حضور حلقة جديدة من مسلسل "شيبس" البوليسي.اضافة اعلان
أولادنا يعايروننا بالحداثة التي لم نلحق إلا بأطرافها كما يفكرون هم. يقولون عنا إننا محرومون من نعمة السرعة، وسهولة الإنجاز، وذكاء الحياة. أولادنا الذين لم يجربوا طعم القتال فوق إناء خليط الكيك النيئ، ولم تتوقف أنفاسهم لهدف "كابتن ماجد" ما كان يتحقق قبل انقضاء حلقتين على الأقل. لم يجربوا طعم الخوف من الأهل بعد أن يأكلوا "علقة" الأستاذ، لأنهم بالتأكيد سيقفون مع الأخير ظالما أو مظلوما. لم يختبئوا خلف أبواب النوم نصف المغلقة، ينصتون لأحداث مسلسل "المال والبنون" ليتبجحوا قبل طابور الصباح أمام أقرانهم، بأنهم شاهدوه صورة وصوتا!
يضحكون علينا حين ننزعج من دبيب موسيقاهم وكلمات الأغاني المتقطعة. و"تفرفط" أرواحهم من بطء تعاملنا مع الأجهزة الذكية، فيتناولونها منا ليصلحوا خطأ أو يضيفوا خدمة، مع نظرات الشفقة على جهلنا.
لا أعرف إن لم أكن مصيبة في رأيي، إنما أظن أن الحرمان بعينه هو ما يعيشه هذا الجيل فعلا!
شقيقتي "هداية" كانت تخبرني عن نعمة الانتظار التي راحت في غفلة عن زمان السرعة. وأوافقها بشدة حين تقول إن نعمة الانتظار تساوي قيمة الصبر. هذا المعنى فقدناه مع جيل بكامله يعتقد بأنه لا وقت للوقت. وأن الحياة التي كنا نعتقد أنها قصيرة لكنها تعلمنا الصبر، يؤمنون هم أنها طويلة بما يكفي لممارسة هواية الانتظار.
ومع ذلك سأصر على أنهم حرموا من الهدوء ما قبل العواصف، وسكينة الإيمان بالقدر، والصمت احتراما أمام الكبار بشرا كانوا أو أثرا.
يظن أولادنا ومن كل عقولهم أن مدارسهم ذات الأقساط العالية تتفوق على مدارس تعلمنا فيها قيمة المعلم وقيمة العلم وقيمة الطالب في ذات الوقت. يتبجحون أمامنا بالمعامل الحديثة، وهي لم تعرض عليهم اختبارا واحدا فاشلا يتعلمون منه قيمة الأمل. في حين كنا نجند أهلنا وجيراننا لإنجاز لوحة تعليمية ربما تعلق وربما لا على حائط الصف. يتفاخرون بقاعات الموسيقى ذات الأرضيات الباركيه، لم يتردد في صداها ولو مرة لحن "وطني العربي وطني الأكبر". يفرحون بساحات اللعب المكيفة ذات الأجهزة الرياضية الحديثة، وهم لم يجربوا فيها أن يكونوا أبطال الملاعب، كما كنا في شبه الساحات المكشوفة على الشارع، والعمارات والدكاكين.
أولادنا يهربون من تحت المطر، ويرفضون أن يجربوا الملح مع اللوز. يستعجلون فيروز لتنهي أغنيتها بسرعة، ليتسنى لهم سماع أشيائهم. يتذمرون من قصصنا غير القصيرة، ويندهشون لدهشتنا أمام رائحة الحطب والطابون. يعتقدون أن حياتهم بسرعتها وجنونها ولهاثها أفضل بكثير من حياتنا بانتظاراتها ومحاولاتها المتكررة، وأنا لا أخالفهم رأيهم أبدا. لكنني أصر على أن حياتنا بانتظاراتها ومحاولاتها المتكررة كانت تعتقد بالأمل.. بالحلم. كانت أحلى.