أزمة القدوات في الوقت الحاضر

شابان يقرأن القرآن الكريم خلال الشهر الفضيل في مسجد الملك المؤسس عبدالله الأول بن الحسين بمنطقة العبدلي- (تصوير: محمد مغايضة)
شابان يقرأن القرآن الكريم خلال الشهر الفضيل في مسجد الملك المؤسس عبدالله الأول بن الحسين بمنطقة العبدلي- (تصوير: محمد مغايضة)

عمان- الحمد لله أنزل علينا خير كتبه وبعث لنا أحبَّ رسلهِ، وأوصاه أن يلزم سبيل سلفه، فقال تعالى "فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِه"، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله ومن تبعه بإحسان، سلام على من تجاوز بفضل ربه محنَه، سلام على من حاز على كل حسنه، سلام على من أوصانا الله به، فقال تعالى "لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ".اضافة اعلان
لقد تعاظم سوق الكلام، وكسد سوق العمل، وصرنا نبحث في هذه الدنيا عن بصيص أمل، ولا يخلو زمان من رجالٍ يترجمون القيم والمُثل، ويمشون على الأرض كأنهم جبل يمشي على جبل.
وأزمة القدوات هي من أشدُّ الأزمات، في وقت عزَّ فيه القدوة الحسنة وراج فيه سوق أمثلة السوء، قال عز وجل: "لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِله الْمَثَلُ الأَعْلَىَ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ".
إن أشرف الأوسمة ينالها العبد وسامُ القدوة والأسوة الحسنة، ذلك الوسام الذي يؤكد بلوغ الإنسان إلى مستوى من الصفاء الروحي والطهر الفكري، والجمال الكوني أعلى المستويات، وقد وصف الله تعالى نبيه محمداً بهذا الوصف وأعطاه هذا الوسام يوم أمرنا بلزومه واعتماده الأسوة الأولى؛ حيث قال سبحانه "لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ"، لقد كان رسول الله ترجمة عملية لكل حرف وكل آية من القرآن الكريم، حتى روت عائشة رضي الله عنها كما في البخاري: "أن رسول الله كان خلقه القرآن".
لا يستغني الإنسان عن مثَلٍ أعلى يحذو حذوه، إنْ خيراً أو شراً، لأجل ذلك كانت وصية الله تعالى لمحمد أن يأخذ من سلفه من أنبياء الله قدوةً وأسوةً، قال تعالى: "أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ..".
كم نحتاج إلى أن نقتدي بالصالحين من غيرنا لنصير بعد ذلك قدوةً صالحةً لغيرنا:
قد هدانا السبيل من سبقونا                وعلينا هداية الآتينا
نحتاج إلى أن نقتدي بالعلماء في علمهم وبالذاكرين في ذكرهم لربهم وبالدعاة في دعوتهم، نحتاج لأن نقتدي بالمجاهدين والمرابطين في جهادهم ورباطهم:
إن لم تكونوا مثلهم فتشبهوا         إن التشبُّه بالكرام فلاحُ
روى الترمذي بسند صحيح عن النبي أنه قال: (اقتدوا باللَّذين من بعدي أبي بكر وعمر) وهل أكرمُ بعد الرسول من هذين الكريمين علماً وفهماً ودعوة وزهداً وجهاداً ورباطاً على ثغور الدين.
إن كل والد في بيته وكل أستاذٍ في مدرسته، وكل إمامٍ في مسجده وكل صاحبِ علمٍ أو حاكم كلُّ أولئك وغيرهم يشكلون قدواتٍ لمن ينظر إليهم ويتبع لهم، فإما أن تكون قدوة خير يصدق فيك ابتهال المؤمن: (واجعلنا للمتقين إماماً)، أو أن تكون إمام سوء وشرّ تُتخذ شماعة لكل منكر ومشجباً لكل سوء، كما قال تعالى عن أولئك المترفين: "..إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ".
ما أعظم أن تصير عَلَماً تدلُّ الخلق على الخالق، روى مسلم عن النبي أنه قال: (من دلّ على خير فله مثل أجر فاعله)، ما أجمل أن تكون قدوة في ولائك لله ولرسوله وللمؤمنين وحبك لهم وبراءتك من الكافرين والطواغيت وأعوانهم، ما أجمل صورة إبراهيم عليه الصلاة والسلام أول قدوة في الحب لله رب العالمين والبغض لأعداء الله قال عز وجل: "قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ".
إن الذين ينصرون الله تعالى ورسوله والمؤمنين جديرٌ أن نرفعهم فوق رؤوسنا فهم قدوتنا وأسوتنا ولهم في قلوبنا السيادةُ والريادةُ، أما الذين خانوا وباعوا وسلَّموا ودلُّوا الكفار على سوءاتنا فلا والله ليسوا قدواتٍ لنا وهم أقلُّ من أن يمثلوا أنفسهم.

د. محمد سعيد بكر
عضو جمعية رابطة علماء الأردن