أشخاص ينتقدون أفعالا ويقومون بمثلها

هنالك شخصيات تفتقد الاستقرار النفسي ولديها تناقض كبير بتصرفاتها - (ارشيفية)
هنالك شخصيات تفتقد الاستقرار النفسي ولديها تناقض كبير بتصرفاتها - (ارشيفية)

مجد جابر

عمان- ثمة أشخاص يعيشون بيننا، نختبر كل يوم تناقضا كبيرا في شخصياتهم. يعبرون عن مواقفهم تجاه قضية ما، مقابل مواقف آخرى على النقيض تماما في أمور متشابهة.اضافة اعلان
لا يثبتون على مبدأ معين في تعاطيهم مع الأشياء. بل آرائهم متقلبة وتصرفاتهم بعيدة كل البعد عما يؤمنون به ويتحدثون عنه أمام الجميع، ينتقدون غيرهم ويقومون هم بذات الأفعال.
الثلاثينية رهام أصابتها حالة من الاستغراب حينما توجهت مع زوجها بالسيارة لزيارة أحد الأقارب، وأثناء وقوفهم على الاشارة الضوئية، قام أحدهم بالقاء كيس من النافذة، الأمر الذي أثار غضب زوجها وانتقده بشدة على أنه شخص غير حضاري ولا يحافظ على نظافة بلده وليس لديه أدنى أخلاقيات التعامل في الطرقات.
غير أن المفاجأة لم تكن هنا بالنسبة لـ رهام، حيث لم يمض على ذلك الموقف 10 دقائق حتى قام زوجها برمي سيجارته من نافذة السيارة على الشارع، مبينة أنها استغربت تماماً من تصرفه فهو منذ قليل فقط انتقد قيام شخص بنفس هذه الفعلة.
تقول رهام أنها لا تعرف ما سبب هذا التناقض الغريب في شخصيته فهذا ينطبق على كثير من المواقف التي ينتقد بعض الناس بها غيره، لكنه يبررها لنفسه ولا يعتبر أنه مخطئ على الاطلاق.
صفاء هي واحدة أخرى عانت من مشاكل مستمرة مع زوجها ولسنوات طويلة حتى انتهت علاقتهما بالطلاق، والسبب هو أن زوجها الذي يعمل باحدى المنظمات وصاحب شخصية اجتماعية مرموقة ومناصر للمرأة ولحقوقها، وينشئ مبادرات من أجل وقف العنف ضدها. كان على العكس تماما في بيته. وتبين أن أصغر مشكلة كانت تحدث بينهما كانت تصيبه نوبة من العصبية ويبدأ بالصراخ عليها تصل لمد يده عليها احيانا. تقول “لا أعرف كيف يكون الإنسان متناقضا لهذا الحد كيف يكون بهذه الثقافة والمعرفة ويحارب من أجل مبادئ يؤمن بها ، لكنه يقوم بنفس التصرفات التي ينهى عنها، وانا لم أستعد توازني الا بعد أن انفصلت عنه وعن الحياة الكاذبة والمزيفة التي معه”.
ولعل الأشخاص الذين ينتقدون افعالا معينة، ويقومون بمثلها موجودون بكثرة في المجتمع. أحمد هو شخص آخر يستغرب من زوجته التي لا تجلس في مكان حتى تبدأ بالحديث عن أساليب التربية الحديثة للأطفال وكيفية التعامل معهم وعدم شتمهم أو ضربهم لكي لا يتسبب ذلك بأذى نفسي لهم، كما أنها تستهجن كل من يقوم بهذه الأفعال وتصفه بأنه شخص “همجي”.
غير أن الحال يختلف تماماً عند دخولهم المنزل وحين يبدأ الأبناء بالمشاغبة واللعب في كل مكان، حيث تنهال عليهم بوابل من الشتائم التي لا تتوقف مع صراخ وعصبية شديدة، ما يجعله يقف مصدوماً أمام تصرفات زوجته المتناقضة جداً .
يقول “عندما راجعتها بالأمر وأنها لا تتوقف عن انتقاد الشخصيات التي تتعامل مع أبنائها بهذا الشكل وتتصرف بعدها بنفس الطريقة، قالت أنها لحظة عصبية وأنها لا تقوم بهذا الفعل باستمرار مثل باقي الأشخاص”، مؤكدا أنها تقوم بالصراخ عليهم بشكل مستمر رغم معارضتها ذلك امام الناس.
وفي ذلك يقول الاختصاصي النفسي والتربوي د. موسى مطارنة أن هذه الشخصية “تعاني من خلل وتفتقد الاستقرار النفسي ولا تعترف بحقيقتها، وتظهر بمثالية أمام الآخرين”.
ويشير الى أنها شخصية لديها اسقاطات نفسية تسقطها على الغير، مبيناً أنها تعكس صورة سيئة عن الآخرين رغم ان تصرفاتها مثلهم، لافتاً الى أن كثيرا من الناس أفعالهم غير اقوالهم.
ويضيف أن وجودهم في المكان يعكس حالة من التوتر والقلق لعدم وجود حدود في نقدهم، لافتا الى ضرورة أن يتم مواجهتهم على الفور. ويعتبر أن هذه الشخصية ربما تكون نشأت في “بيئة حاقدة ما يجعلها تسقط هذا الحقد على الاخرين، واحيانا يكون النقد من باب الحسد والغيرة”.
وفي ذلك يقول الاختصاصي الاجتماعي د.حسين الخزاعي أن هؤلاء الأشخاص يعيشون حالة ازدواجية في السلوك وهم أنفسهم ينتقدون الشيء ويفعلونه، مبيناً أنهم يعانون من غياب النضج، والذي يتمثل في أن تعمل الشيء وتنتقد من يقوم بمثله.
ويشير إلى أن النضج الأخلاقي يحدث عندما يكون هناك تساو ما بين الحديث والسلوك، لافتا الى أن هذه الفئة من الناس تحب أن تظهر بمظهر الكمال أمام الناس كنوع من أنواع حب الظهور.
ويشير الى أن تلك الفئة منتشرة جدا في المجتمع، وتعاني من ازدواجية في السلوك، إلى جانب حب الظهور والتركيز عليه لرفع مكانتها الاجتماعية، مبينا ان حب انتقاد الآخرين والذي ليس له أي صلة بالنقد البناء احيانا يجب ان لا يقابل بممارسة نفس السلوك إن كانت الشخصية متوازنة.