أنا والكلاب.. ولا شأن لي بالقافلة!

كُنَّا في مقهى "لذيذ"، أنا وصديقتي الشقراء البالغة اللذة. نتحدّثُ في الحبِّ السريع الذي يتكاثر كأكواب الشاي وحبات السكَّر الناعم على مقاهي الرصيف، ونراقبُ بفضول العشاق المبتدئين المارة الذين يعبرون شارع "الحمرا"، كأنَّ كلاباً بوليسيّة تطاردهم في فيلم أميركي رديء الصنع. قلتُ لها الوصف، ثمَّ فزعتُ، يبدو أنني شعرتُ أنَّ كلباً منزلياً يجلسُ على ركبتي، وينتظر لحظة انتباهي لأسابق الريح فيسبقني، ويلتهمني من قُبلٍ. طلبتُ منها أنْ نغيّر المقهى، قلت لها إنَّ الرغوة البيضاء في مقهى "كوستا" أكثر جديّة، ووافقت بصمتٍ جارح.اضافة اعلان
في الخطوات القليلة إلى الوراء، بين المقهيين، حدث ما لم أحسب له حساباً: تعاركَ في وسط الطريق، كلبان منزليان لم تتم تربيتهما جيِّداً، وحاول العقلاء من البشر احتواء الموقف. حدثتْ المعركة أثناء مروري الغافل، فمسّني تبادل النباح بالهلع، فأفلتُّ يدي من يد صديقتي الشقراء، واخترتُ طاولة داخلية، هناك في الركن المعتم كشفتُ لها سراً مهيناً: أخاف الكلاب من سلالة اللولو، إلى سلالة "بيتبول"، حتى إنّني لم أصدق في طفولتي الطيبَة المفتعلة للسيِّد "بيل"، واعتبرتها ضرورة فنية لحكاية الفتى الفرنسيِّ المهذب "سيباستيان".
ركبنا السيارة المهترئة الصاعدة إلى "جْبيل". كان صعوداً شاقاً، كنتُ خجِلاً مثل طفلٍ مهزوز وعد أمّه بالكفِّ عن التبوُّل اللاإراديِّ. جلستُ بجانب السائق وحاولت الابتعاد على المرآة التي تظهر الأشياء على غير حقيقتها، ربَّما لو لمحتني في لحظة ما رأتني قطاً شيرازياً، أو أرنب "الشانشيلا" الوسيم. كان لها الحقُّ أن تراني على أيِّ صورة، حتى لو كنتُ ذلك الذئب المدجّن (سأسمِّي نفسي ذئباً وأتغاضى عن نسب نصف الفصيلة) الذي يركض وراء كرة الماء، ويأكل اللحومَ المعلّبة. تظاهرتُ بالنوم، لكنَّ صوتها المخمليَّ أيقظني، وهي تطلب مني على مسمع السائق الفضوليِّ أنْ أهديها في عيدها الشتائيِّ الكلب "الهاسكي"؛ ذلك الذي نصفه ذئب!
على طاولتنا المعتادة في مطعم "فينيقيا" استدْرَجْتني كطبيبة نفسيَّة للحديث عن عقدتي من الكلاب. عدتُ إلى الكرسيِّ الخشبيِّ، وانتظرتُ النادلَ المبتسم دوما، ثمَّ قلتُ بالفلسفة التي أتقنُ زيادَتَها بالمقدار الذي يجعلها متوازنة كأثر ملعقة سكر على فنجان قهوة مُرّة، إنَّني بالأصل كنتُ أخشى "القافلة"، مشيها المريب الذي يدفع كلاب السكك لأنْ تنبح، الحمولة الغامضة فيها، مسارها المحتوم إلى نهاية الرمل، وجدِّي الحكيم قال إنَّ النباح مثل الدخان يحتاج إلى سبب، وأنا أخاف من كلِّ الأسباب. وكدتُ أظنُّ أنها صدَّقتْ ما لم أصدِّقه، حتى لمسني جنيُّ الرعب بين قدمي أثناء مرور "نسناس" وضعته إدارة المطعم لمداعبة الزبائن الجسورين!
نزلنا كخيطي ماء إلى شاطئ "جونيه" الجريء. كانت تمسك يدي كإبريق نحاسي لسقاية أزهار فريسيا، حدَّثتني عن الوفاء، وسألتني كمذيعة مدللة في رمضان "هل تعرف ما هي أكثر المخلوقات وفاء؟". وكنتُ أعرفُ هذا النوع من الحديث بيننا، عادة ما تقتطعه هي من مسلسل شاميٍّ معاصر، وعليَّ أن أجاريها فلا أجيبَ وأترك الكاميرا تظهرني للسادة المشاهدين رجلاً لا ينتظر جواباً. ستروي لي ما شاهدته على "يوتيوب" من كلاب تذهب إلى المقابر لتبكي على أصحابها، وتخبرني ببكاء لا دمع فيه إنها تريدُ أنْ تضمن منْ يبكي عليها بوفاء "نادر"؛ ثمَّ أظهر أمام الكاميرا ببلاهة ممثل نسي الحوار!
عدنا إلى "بيروت"، كانت مكتظة، وشرايين "الحمرا" مسدودة أمام مشي عاشقين مُتمَهِّليْن. رأينا امرأة تكتفي بجرِّ كلبٍ، ورجلٍ يتقدمه كلبٌ، حدث ما خشيتُ، فقد تعارك الكلبان بالنباح أمامي، ولولا تدخل العقلاء من البشر لتطور العراك إلى استخدام الأنياب. وجدتْ صديقتي الشقراء نفسها وحيدة، سألتْ كلَّ المارة عني، والنادل السمين في "لذيذ"، حتى يئسَتْ، وعادت إلى "الشام"، وكانت طوال الوقت تشكُّ في أمر "نصف ذئب" يراقبها دامعاً من شرفة الفندق.