أهال يخجلون من أبنائهم ذوي الإعاقة

يمكن القضاء على خجل الأهل من طفلهم ذي الإعاقة من خلال تمكين هذه الأسر وتطبيق مبدأ الاستقلالية للطفل ذي الإعاقة - (أرشيفية)
يمكن القضاء على خجل الأهل من طفلهم ذي الإعاقة من خلال تمكين هذه الأسر وتطبيق مبدأ الاستقلالية للطفل ذي الإعاقة - (أرشيفية)

ديما محبوبة

عمان– لم تتجرأ أم عبد الحليم الحديث عن ابنها ذي الإعاقة، إلا بعد مضي العديد من السنوات، فتقول "ابني يعاني من ضمور في المخ وضعف في درجة التركيز وعدم القدرة على الكلام أو التحكم في مخارج البول والبراز".

اضافة اعلان

وتوضح أن زوجها ينتمي لأسرة ثرية ذات حسب ونسب وجاه، وكان خبر إنجابها لطفل ذي إعاقة كالصاعقة عليه وعلى والدته، ما جعلهما يخبران عائلتهما بأنه توفي لدى ولادته. وتقول "خيرني زوجي بين حياتي معه أو التخلص من هذا الطفل ذي الإعاقة الذي أصبح يشكل مصدر هم وقلق وعبء كبير بالنسبة له ولوالدته، وهددني إن اخترت الانفصال بعدم رؤية أبنائي الآخرين حتى لا يعرفون أن لديهم أخا ذا إعاقة".

وتبين نادمة بأنها عملت على إخفاء أمر هذا الطفل عن أشقائه الأصحاء، مشيرة إلى أن زوجها أقنعها بأن التاريخ العائلي السليم هو بوابة العبور لقلب المجتمع، ما جعلها تخشى على مستقبل أبنائها القادم كونهم أشقاء لطفل ذي إعاقة.

وتستذكر الأربعينية "كنت شديدة الحرص على عدم إخبار أبنائي وحتى من حولي بأن لي طفلا ذا إعاقته، وألحقته بإحدى دور الرعاية وعندما يحين موعد زيارته أو إجازته آخذه إلى مكان آخر غير المنزل حتى لا يراه أشقاؤه أو الجيران، تلافيا للإحراج والضرر الذي سيقع على أبنائي عندما يحين موعد القسمة والنصيب".

أما علا (وهو اسم مستعار) فتسرد قصتها، إذ تبين أن الفحوصات الطبية أظهرت وهي في الشهور الأخيرة امن الحمل بأنها تحمل جنينا شديد الإعاقة وبعد ولادته ومشاهدة والده له قام بطلاقها.

ولم يكتف بذلك فقط، فعمل على شتمها وإهانتها وتجريحها، متهما إياها بأنها نذير شؤم عليه، وأنها لا تلد إلا ذوي إعاقة، وتقول "كانت ولادته صدمة لي ولزوجي ولأسرتي ولكل من حولي، لقد انتابتني نوبة من الهم والغم والحزن والألم، ما جعلني أرفض إرضاعه وحمله وهدهدته أو حتى النظر في وجهه، بعدها أحضرت له خادمة للعناية به فقط، وأخفيته في غرفة مهجورة داخل سطح منزلي حتى تجاوز العاشرة من عمره، بعدها ألحقته بمركز تأهيل خاص بذوي الإعاقة، وما يزال هناك حتى الآن وقد اشعت لكل من حولي بأنه قد توفى منذ فترة طويلة اتقاء لألسنة الناس".

ورفضت علا فكرة الزواج مرة أخرى رغم "كفاءة من تقدموا لي من الرجال الراغبين في الزواج، لكنني خشيت أن تظهر الإعاقة مرة أخرى في أطفالي القادمين، فهناك خالي وأختي أنجبا أبناء ذوي إعاقة".

في حين تبين هالة عدي بأن نظرة المجتمع المجحفة بحق هؤلاء الأفراد ولعائلاتهم هي التي تجعل العائلات تلوم نفسها وتفضل تخبئة طفلها ذي الإعاقة كي تحرص على باقي أفراد العائلة من زواج ودخول المجتمع بأوسع أبوابه، موضحة أن خطيبها تركها فور اكتشافه لأمر أخيها ذي الإعاقة. 

وتقول "أحببته من كل قلبي وأردنا ان نكلل علاقتنا الشريفة بالزواج بعد أن صارحني بحقيقة شعوره نحوي وبعد الخطوبة اكتشف حقيقة أخي اذي الإعاقة، والذي كانت تصدر منه أصوات مزعجة من إحدى الغرف أثناء زيارة خطيبي لي، إذ فر مذعورا فور اكتشافه للحقيقة بحجة أن أسرته لا ترحب بهذا الزواج لو علمت بوجود ابن معاق داخل أسرتي لخشيتها من مسألة الوراثة وبأنه يخشى كثيرا من مسألة ارتباطه بي خوفا على ذريته القادمة من انتقال هذه (اللعنة) كما وصفها".

وتبين أنها أخطأت وكان عليها منذ البداية تعريف خطيبها بحالة أخيها، وعليها أن لا تخجل منه فهو إنسان لا حول له ولا قوة وعلى الجميع احترامه واحترام مشاعره وحبه ما جعلها تفكر ألف مرة بخطبة أخرى وأن تفني حياتها لأجله.

في حين تبين الخمسينية لطيفة عبيدة "رزقني الله بثلاثة أطفال ذوي إعاقة تتفاوت درجة إعاقاتهم بين الشديدة والمتوسطة، ورغم ما تكبدته في سبيل رعايتهم وتربيتهم والعناية بهم من عناء، إلا أنني ما أزال متماسكة ومتحلية بالصبر ومفوضة أمري إلى الله".

وتقول "هؤلاء الأبرياء قد يكونون سببا من أسباب دخولنا الجنة، لأن تربيتهم والصبر عليهم هي نوع من الجهاد الذي سيكافئنا الله عليه، لقد قمت بإدخالهم لمراكز رعاية متخصصة من أجل تأهيلهم وجعلهم أكثر تفاعلا مع المجتمع والحمد لله قد استفادوا وأصبحوا أكثر استجابة للمجتمع الخارجي وها هو زوجي يشاركني تربيتهم ولا يفرق في المعاملة بينهم وبين إخوتهم الأصحاء، ونحن على تواصل دائم مع المركز وكثيرا ما نصطحبهم إلى المنزل لدمجهم مع أشقائهم".

وللقضاء على ظاهرة الخجل من الأبناء ذوي الإعاقة، يأتي دور التنشئة الاجتماعية، إذ يقول اختصاصي علم الاجتماع د. محمد جريبيع "التنشئة الوالدية هي الأصل، حيث يصل تأثير الأسرة في الأبناء من خلال تنشئتها لهم، عبر الأساليب التي تتبعها في تربيتهم، ومعاملتهم، وأسلوب مكافأتهم وعقابهم، ومما لا شك فيه أن التنشئة الوالدية التي تشبع حاجات الطفل من دون تطرف أو مغالاة، وتشعره بأنه مرغوب فيه، تعتبر النمط الذي يرتبط بابتكارية الأبناء، بعكس النمط الذي يؤدي إلى هامشيتهم، واشعارهم بالدونية والذنب، والرفض".

ويبين أن وسائل الإعلام بأنواعها المختلفة تلعب دورا مهما في معالجة أية قضية تهم المجتمع، من خلال توجيه بعض البرامج التوعوية، أو الأعمال الدرامية التلفزيونية والإذاعية التي تخدم ذوي الإعاقة إلى معالجة بعض المغالطات والأخطاء التي تحدث في الأسرة، وتوفير الجانب النفسي والاجتماعي السليم للأبناء.

والاهتمام بأساليب التنشئة الاجتماعية، وفق جريبيع، يسهم بشكل كبير في دمج ذوي الإعاقة في المجتمع، مع ضرورة اعتبار الاهتمام بذوي الإعاقة هدفا وطنيا مع توفير الإمكانات المطلوبة لهم بالتعاون مع المؤسسات الحكومية والأهلية، وعقد المؤتمرات والمنتديات الفكرية بشكل دوري، لمناقشة قضية الخجل الاجتماعي من ذوي الإعاقة، والاستفادة من تجارب دول العالم في مجال التعامل معهم، ومتابعة تجاربهم ونماذجهم لتطبيقها في المجتمعات العربية.

ويذهب التربوي د. محمد أبو السعود إلى أن على الأسرة أن توفر لأبنائها ذوي الإعاقة جميع أساليب الرعاية المناسبة والمحبة ومن يعرف ما يخبئ الله له، فمن كان سليما من الممكن أن يتعرض لحادث سير يسبب له إعاقة عميقة، فإن هؤلاء لا ذنب لهم لاختلافهم بل هم طاقة جميلة يمكن اكتشافها بالحب والرعاية.

من العوامل التي تسهم في نشأة الخجل، وتطوره يشير أبو السعود إلى فقدان الثقة بالنفس، ونقص المهارات الاجتماعية، والشعور بالدونية أو الذنب والوعي المفرط بالذات، فالأسر التي تعاني مشكلة الخجل الاجتماعي، تعاني نقصا في المهارات الاجتماعية مع الشعور بالدونية أو الذنب المفرط، وهذه الأسر في حاجة إلى مساعدة لتمكينها من المهارات الاجتماعية، واستعادة الثقة بقدراتها في مواجهة أية صعوبات تقابلها، ومساعدتها أيضاً لكي تتعامل مع الحقائق بكل موضوعية، ودفعها لأن تؤمن بقدرتها في تمكين أبنائها جميعاً من الحصول على الحقوق والخدمات.

من جهته يبين الاختصاصي الأسري أحمدعبد الله بأنه من الممكن القضاء على هذا الخجل من خلال تمكين هذه الأسر وتطبيق مبدأ الاستقلالية في الحياة من خلال تكليف الطفل ذوي الإعاقة بمسؤوليات، ليشعر بكيانه وقدرته، على ألا تقتصر نظرتها له على أنه مصدر لتلقي الإعانات، لأنه بحاجة إلى أبناء قادرين على إبراز مواهبهم، ومهاراتهم في خدمة المجتمع الذي يعيشون فيه.

فيما يؤكد جريبيع أن المسؤولية الاجتماعية للأسرة تجاه الأبناء بشكل عام، والإبن من ذوي الإعاقة خاصة، تستلزم التآزر بين عناصرها، ووظائفها وأفعالها والصدق والحب، فالأسرة المتعاطفة هي التي تمتلك الإدراك والتفاعل، في القيام بمسؤولية رعاية الأبناء العاديين، وذوي الإعاقة على حد سواء، والتعاطف هو الواسطة الواصلة بين أفراد الأسرة وبين هؤلاء.