الأسئلة الخمسة لـ "توأم زينة"

قبل أنْ يدخلَ التوأم "عز الدين" و"زين الدين" من مطار القاهرة، قبل عام، بعربة تجرُّها أمٌّ مكسورةٌ، كان كل شيءٍ مفهوما، والشرحُ زائدٌ كالهوامش في كتب أعراض الحمل، والالتباس ترفُ روّاد شرفات مقاهي "وسط البلد"، والغموضُ حيل شعراء النثر لاكتساب هالة شعرية معقدة، وكانت نشرات الأخبار جادة و"دسمة"، والأنباءُ العاجلة حدثتْ للتوِّ فعلاً، والتحليل السياسي حديثٌ فضفاضٌ، يصلح لأيِّ خلاف حدودي، واللعابُ فيه كان زبداً، وغير نافعٍ لفحص الحمض النووي!اضافة اعلان
كانت عناوين الصحف مباشرة، كالضَرْبَة الحُرّة: "فشل عملية ترقيع السلام"، وإعلانات تنظيم الأسرة معنيّة فقط بتقديم الوصفات غير القابلة للخطأ للمباعدة بين الولادات، والنميمة بين جارتين بالكاد تصل حتى عتبة زوجة الجار المُبتلى بالغازات، والطفل الذي يصل الخامسة سالماً من رُهاب "داعش" يسأل أمه الأسئلة الخمسة عن ولادته اللغز. كان العالم ثنائيا: "ملكيون" و"كاتالونيون"، نزلاء "تويتر"، ومقيمو "فيسبوك"، ومنذ صار الخبر العاجل هو ما حدث للتوِّ قبل تسعة أشهر، أصبحت المسافة بين الاختلاف أوسع من الخلاف الذي يفصل "أحمد عز" عن "زينة"!
الصحف تتابع قضية "توأم زينة" بالصور الملوّنة التي قيل في شرحها إنّها التقطت في "شهر العسل" على شاطئ أميركي مالح، والفضائيات قطعت بثّها ليعلن "عز" في مؤتمر صحافي "عدم مسؤوليته عن العملية" وأنَّ الصور جرى التقاطها أثناء "أيام عسل"، وأبدى شاعر هايكو مستجد اهتمامه بالنساء اللواتي ظهرن مستلقيات على رمل "البلاج"، وقضمتْ مراهقة أطراف أصابعها على زيجة فقدتها من رجلٍ يتزوَّج كلّما ضجر، وأمِّي تعتقدُ أنَّ القضية بين فخّارين، أما أنا فشامتٌ بـ "زينة"، كعاشقٍ قديمٍ في أغنيات "هاني شاكر"! 
اللغز مُحيِّرٌ كحروفٍ صينيّة برسالةٍ سقطت في البحر، والنهاية مفتوحة كأيِّ فيلمٍ يسعى للحصول على جائزة ترضية، تستمع إلى "زينة" فتصدِّقُها، وتستمعُ إلى "عزّ" فتضطر لتصديقه، محامي الأولى يبدو "عقر"، ومحامية الثاني هي التاء المربطة في "الداهية"، وأنا أقلِّبُ كلَّ صباح صفحات الجرائد، أبحث عن خيط جديد، أحاول النفاذ من ثغرة، ألبس مرة "الروب" الأسود، ومرّة "البدلة الزرقاء"، ولو كنتُ القاضي لتنحّيْتُ استشعاراً للحرج، فهذا اللغز يبدو أمامه مصير "موسى الصدر" مجرد إعلان لـ "خارج ولم يعد"، وملف "اغتيال رفيق الحريري" ليس أكثر من ورقة "فولسكاب" مسطَّر!
المحاكمة مستمرة على حبال غليظة من "مرسى مطروح" إلى "أسوان"، وكلُّ ما كان مفهوماً لن يقنع طفلاً في الخامسة يسأل أمه الأسئلة الخمسة عن ولادته اللغز، لا شرح زائداً يكفي للإلمام بحيثيات القضية، وروّاد المقهى يقرأون الصحفَ من صفحة الكلمات المتقاطعة: ممثلة مصرية وممثل مصري اشتهرا بقضية نسب، والموظف المتقاعد من وزارة المياه يستنجدُ بالعامل الوافد، فيجيبه بذاكرة صلبة: "أحمد الفيشاوي" و"هند الحناوي"، فيعترض ناقد فنِّي خبا نجمه، ويؤكِّد بأنّ "هند" مهندسة ديكور، والمقهى مكتظ، الإجابات متداخلة، ودخان النرجيلة يزيدُ المشهدَ غموضاً، وأحرف الكلمات المتقاطعة لن تلتئم، بانتظار نبأ عاجل عما حدثَ للتوِّ قبل تسعة عشر عاماً!