الأميّة تفترس أطفالا ذوي إعاقة

1574523273446975500copy
1574523273446975500copy

تحقيق: أنس ضمرة

عمان- "ما بدّي محمد.. أنا ما بتحمل مسؤوليته"، هكذا رد مدير المدرسة على مناشدة الأم لنقل ابنها إلى صف في الطابق الأرضي، نظراً لإعاقته الحركية التي تمنعه من صعود الأدراج. وأردف المدير بحزم: "بدّي ياهم يظلوا تحت عيني قرب مكتبي"، في إشارة إلى تلاميذ المرحلة الإعدادية.

اضافة اعلان

كانت الأم القلقة استُدعيت لمقابلة المدير لأن أحد أقران ابنها - الذي لا يستطيع الدفاع عن نفسه - دحرجه صباح ذلك اليوم عن أدراج الطابق الثاني، وحين ذهب الطفل باكياً شاكياً إلى المدير صدّه وطلب ولي أمره، دون أن يراعي إعاقته، بموجب قانون الأشخاص ذوي الإعاقة رقم 27 لعام 2017.

بمرارة ترتسم على تقاطيع وجهه الطفولي، يستذكر محمد آخر أيامه تلك في مدرسة "وادي السير" الأساسية حين كان عمره 12 عاما في السنة الدراسية (2015/ 2016)، ويروي تفاصيل ذلك اليوم وهو جالس أمام التلفاز في منزله بعد عامين ونصف العام على تلك الحادثة، لم يتلق خلالها تعليما مدرسيا، ولم يستطع ذووه إلحاقه بمدرسة خاصة نظراً لارتفاع أقساطها.

كان محمد من بين 20 طفلا من ذوي الإعاقة، وثّق هذا التحقيق الظلم والتمييز اللاحق بهم عبر استبعادهم من مدارس حكومية، كما توصل معد التحقيق – من خلال تحليل بيانات وزارة التربية - إلى أن مدرستين من كل ثلاث تفتقر لتجهيزات و/ أو متخصّصين لرعاية ذوي إعاقة رغم مرور سنتين على سن قانون لحماية هذه الفئة.

وتختلف المراحل العمرية للأطفال، وكذلك الانتهاكات التي يتعرضون لها، بدءاً برفض تسجيلهم، واشتراط تعهد مكتوب من الأسرة بإخلاء مسؤولية المدرسة عن كل ما يحدث لهم فيها، وصولاً إلى فصلهم لاحقا من المدرسة؛ في خرقٍ لقانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة والاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة لعام 2007.

حبر على ورق

في العام 2017، عدّل الأردن قانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة – بما يلزم وزارة التربية والتعليم بقبول تسجيل الأطفال من هذه الشريحة في المدارس الحكومية. وتنص المادة 17 في القانون المعدّل: "يُحظر استبعاد الشخص من أي مؤسسة تعليمية على أساس الإعاقة أو بسببها".

هذا التحقيق يكشف عدم تطبيق هذا النص، ويعود خطوة إلى الوراء للبحث في مدى جاهزية المدارس الحكومية لاستقبال ذوي الإعاقة فيها، لا سيما بعد أن أصبحت وزارة التربية والتعليم ملزمة بقبولهم في فصولها.

بالجرم المشهود

معد التحقيق زار أربع مدارس حكومية في مناطق مختلفة في محاولة لتسجيل طالب من ذوي اضطراب طيف التوحد في الصف الرابع، وكان رد مدير المدرسة: "عندو توحد ما بيتسجل".

طلبنا من المدير تسجيله وإحضار معلم ظل (معلم مساعد مهمته دعم ذوي الإعاقة لاستيعاب ما يقدمه المعلم الأساسي في الغرفة الصفية) ليرافقه في المدرسة، إلا أنه رفض: "لا نقبل تسجيل أطفال التوحد، ومعلم الظل غير مسموح"، ثم علّل رفضه بأن "عدد الطلاب يفوق الأربعين في الصف الواحد، وبالتالي لن يأخذ العناية والرعاية المطلوبة".

ثم زار معد التحقيق مدرسة ثانية لتسجيل طالبة أخرى؛ قدّمها على أنها شقيقته، لكن مديرة المدرسة الواقعة في منطقة الجبيهة بعمان اقترحت تسجيلها في مدرسة أخرى تبعد عن منزل الطفلة 20كم، معللةً رفضها بعدم وجود معاملة خاصة في مدرستها لذوي الإعاقة: "غرفة الصعوبات بتاخذها فردي، ونحنا هون ما عنا غرفة صعوبات، انقلها هناك أفضل من جلوسها بين 45 طالبة، وما حدا ينتبه الها".

أعذار، تخوفات أو احتمالات يواجهها أهالي "ذوي الإعاقة" عند محاولة تسجيل أبنائهم في تلك المدارس، رغم مرور سنتين على تشريع يفرض على المدارس الحكومية تعليم الأطفال ذوي الإعاقة.

في تموز (يوليو) 2019، صرّح رئيس الوزراء، عمر الرزاز، بأن الحكومة تتابع جودة التعليم وتطوير قدرات المعلمين، وأُنشئت لهذه الغاية وحدة جودة التعليم والمساءلة أثناء تولي الرزاز حقيبة التربية والتعليم في 2017. مذذاك، أصدرت الوحدة تقارير مفصلة عن 198 مدرسة حكومية، لتكشف أن المدارس الحكومية بيئة غير دامجة للتلاميذ ذوي الإعاقة. إذ بيّنت تقارير زيارات هذه المدارس أن 169 مدرسة حصلت على تقييم أداء أقل من 53% في التقييم الإجمالي لبيئة التعليم في المدرسة.

13 % نسبة انتشار الإعاقة

تقدر نسبة انتشار الإعاقة وفق التعداد السكاني للعام 2015 بـ13 % من السكان في الأردن، بما مجموعه 911 ألف شخص من ذوي الإعاقة. هذه الأرقام مقاربة لتقديرات منظمة الصحة العالمية التي تقدر نسبة الأشخاص ذوي الإعاقة بنحو 15 % من سكان العالم (واحد من بين كل سبعة أشخاص لديه إعاقة).

وتفيد أرقام وزارة التربية بأن المدارس الحكومية تؤوي 21576 طالبا/ طالبة من ذوي صعوبات التعلم والأشخاص ذوي الإعاقة؛ أي 1.6 % من إجمالي الطلاب في المدارس الحكومية المقدر عددهم بـ1.3 مليون.

في الأردن أربعة آلاف مدرسة حكومية، ألف منها فقط تحوي غرف مصادر (صعوبات) وهي (غرف خاصّة بالأشخاص ذوي الإعاقة وذوي صعوبات التعلم، تدرّس فيها هذه الفئة مواد مكثّفة خارج الغرفة الصفية بواقع حصّة إلى ثلاث حصص يوميا)، و150 منها فقط مهيأة لاستقبال ذوي الإعاقة الحركية.

رئيس المجلس الأعلى لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، الأمير مرعد بن رعد بن زيد يشكو من أن هذه الأرقام غير مرضية، بل "صادمة للمجلس". ويتعهد الأمير مرعد بأن "يعمل المجلس كل ما بوسعه، لا سيما وأن الأشخاص ذوي الإعاقة أثبتوا محليا وعالميا أنهم قادرون على التعلم والعمل والعيش باستقلالية واحترام".

"الإعلان عن أن مدارسنا دامجة وحده لا يكفي"، تقول رئيس مجلس التطوير التربوي التابع للوزارة/ لواء الجامعة، مريم اللوزي. وتطالب اللوزي ببلورة رؤية واضحة ومأسسة تخطيط استراتيجي لآلية "الدمج" بناءً على المعطيات الموجودة والبنى التحتية للمدارس. وبالتالي فإن "وزارة التربية والتعليم هي المسؤولية عن رفض تسجيل الأشخاص ذوي الإعاقة وليس مدراء المدارس"، حسبما ترى اللوزي، التي تحثّ على توفير بنية تحتية مناسبة، أدوات ووسائل تعليمية ومساعد للمعلم في الفصل بما يمكّن المعلم من السيطرة على الفصول التي يصل عدد الطلاب فيها إلى 60 طالبا.

نقيب المعلمين الراحل أحمد الحجايا "توفي في آب (أغسطس) 2019"، يحمل طرحا مشابها، إذ يحمّل الحجايا وزارة التربية والتعليم مسؤولية تعنت إدارات المدارس الرافضة، نتيجة عدم توعية الكادر التعليمي والإداري بضرورة دمج التلاميذ ذوي الإعاقة وبحقوقهم القانونية والدستورية في التعليم، ويؤكد أن المدارس الحكومية غير مهيأة وتحتاج لإجراءات دمج عديدة؛ تبدأ بالأجهزة والمعدات والتدريب ولا تنتهي بإزالة العوائق والسلالم.

ويفتقر القانون إلى نظام مكمّل لتحديد أسس ومعايير التعليم الدامج، وفق مراجعة معدّ التحقيق.

مدير إدارة التربية الخاصة في وزارة التربية والتعليم، سامي المحاسيس، يقر بالحقائق التي توصل إليها معد التحقيق حول ممارسات مدراء مدارس. وبينما يقر بأن الوزارة لم تتخذ أي إجراءات عقابية رغم علمها برفض مدراء مدارس حكومية تسجيل أطفال من ذوي الإعاقة، يكتفي المسؤول التربوي بالقول إن إدارة التربية الخاصة تتابع مع أولياء الأمور الشكاوى المتصلة برفض قبول أبنائهم، وترسل كتباً رسمية لمديريات التربية بضرورة قبولهم في المدرسة، ولكن دون أن تفرض عقوبات على مدراء مدارس ثبت رفضهم لأطفال ذوي إعاقة. "لا يُحال مدير المدرسة إلى التحقيق إنما يُعاد إليه الكتاب مرة أخرى"، يشرح المحاسيس مع علمه بعدم الاستجابة لشكاوى الأهالي.

[caption id="attachment_749445" align="aligncenter" width="580"] أحد الأطفال الذين حرموا من مقاعد الدراسة بسبب إعاقاتهم[/caption]

وزارة التربية تخرق القانون

بموجب قانون الأشخاص ذوي الإعاقة لعام 2017، يحكم "بالحبس مدة لا تتجاوز سنة أو بغرامة لا تزيد على ألف دينار أو بكلتا هاتين العقوبتين" كل من يخالف الفقرة (أ) من المادة (30) في القانون، التي تنص على أنه: "يعد عنفاً كل فعل أو امتناع من شأنه حرمان الشخص ذي الإعاقة من حق أو حرية ما، أو تقييد ممارسته لأي منها، أو إلحاق الأذى الجسدي أو العقلي أو النفسي به على أساس الإعاقة أو بسببها".

وتخالف وزارة التربية والتعليم نص الفقرة (هـ) من المادة (18) في القانون، التي تطلب من الوزارة "وضع خطة وطنية شاملة لدمج الأشخاص ذوي الإعاقة في المؤسسات التعليمية بالتنسيق مع المجلس والجهات ذات العلاقة؛ على أن يبدأ العمل على تنفيذها خلال مدة لا تتجاوز سنة من تاريخ نفاذ أحكام هذا القانون ولا يتجاوز استكمال تنفيذها (10) أعوام". إذ لم تعلن وزارة التربية عن "الخطة العشرية" تلك حتى تاريخ نشر هذا التحقيق.

قبول مشروط

أوس شاهين، طفل من ذوي اضطراب طيف التوحد حصل على قبول مشروط بمدرسة حكومية في أبو نصير بعد أن أتم عامه العاشر. اشترطت إدارة المدرسة توقيع والدته على تعهد بإخلاء مسؤولية المدرسة عن أي ضرر قد يتعرض له أوس داخلها. "احنا بناخذ الواجبات من أصحاب أوس في المنطقة، المعلمات ما بكتبو على دفترو شو الواجبات"، حسبما يشكو والده علاء شاهين. وينقل الأب عن مديرة المدرسة تأكيدها على خلوها من غرفة مصادر أو معلمة متخصصة للأشخاص ذوي الإعاقة. ويتساءل شاهين عن قدرة أي معلمة على إدارة غرفة صفية بوجود أطفال ذوي إعاقة مع عدد كبير من الطلاب، يفوق الأربعين.

شهادة رسمية: مدارسنا غير دامجة

لدى تحليل مضمون تقارير جودة التعليم الصادرة عن وزارة التربية والتعليم والمرفوعة على موقعها الرسمي، توصل معد التحقيق إلى أن 169 من 198 مدرسة موزعة على محافظات المملكة ال12، حصلت على تقييم أداء أقل من 53 %. في المقابل، حصلت خمس مدارس فقط على تقييم "قوي"، بمعدل يتراوح بين

72 - 84 % (ثلاث مدارس في عمان ومدرسة في كل من الزرقاء وإربد).

هذه التقارير الموثّقة من وحدة جودة التعليم والمساءلة شملت 20 مؤشراً لقياس فاعلية المدرسة. ورصد معدّ التحقيق مؤشرات تتقاطع مع ملف دمج الأشخاص ذوي الإعاقة في المدارس الحكومية، مثل وجود كوادر متخصصة، مراعاة الفروق الفردية بين الطلبة أو أساليب التعليم. يقيس المؤشر الثالث في التقرير "التنويع في استراتيجيات التدريس ومراعاة الفروق الفردية لتلبية احتياجات الطلبة"، ليتكشف من خلال التقارير أن 152 من 198 مدرسة أي (77 %) لم تحقق الحد الأدنى المطلوب. ولم تحقق 171 مدرسة (86 %) الحد الأدنى المطلوب في المؤشر الرابع الذي يقيس "توظيف كفايات ومهارات التعامل مع الطلبة ذوي الاحتياجات الخاصة: الموهوبين، بطيئي التعلم، صعوبات التعلم والإعاقات الحسية والعقلية".

كما لم تحقّق 153 مدرسة (73 %) الحد الأدنى المطلوب في المؤشر السابع الذي يقيس: "توظيف استراتيجيات وأساليب متنوعة لتعديل وضبط سلوك الطلبة".

مدير وحدة جودة التعليم والمساءلة الدكتور رائد عليوه يوضح بأن التقييم نفّذ من خلال زيارات ميدانية للمدارس على مدى سبعة أيام، لافتا إلى أن موظفي الوحدة "سجلّوا كل ملاحظة ذات صلة بالمؤشرات العشرين بعد أن جمعوا حولها ثلاثة أدلة توثق نقاط القوة أو الضعف في المدرسة". ويؤكد د. عليوه أن هذه التقارير ترسل للمدارس ومديريات التربية للعمل على تحسين جودة التعليم، ثم يتبع ذلك زيارات متابعة للتأكد من تحسين الجودة.

حصل معد التحقيق على وثيقة موجهة من وحدة جودة التعليم والمساءلة إلى وزير التربية والتعليم عام 2017 عمر الرزاز. ورصدت الوحدة 15 ملاحظة من تحليل نتيجة 139 زيارة تقييمية و2200 زيارة استطلاعية أجراها فريق الوحدة، حول غرف مصادر التعلم في المدارس الحكومية. وكانت أبرز الملاحظات التي رصدتها الوحدة - بحسب الوثيقة - التشخيص الخاطئ للمستفيدين من خدمات الغرفة (لذوي الإعاقة) باستخدام أدوات قياس غير مقنعة تكون غالبا من إعداد المعلم، صرف المبالغ المالية الموجهة لغرف صعوبات التعلم في أوجه صرف مغايرة وعدم التزام معلمي بعض غرف الصعوبات بالحصص المقررة.

فشل دمج.. حتى في المدارس النموذجية

"لا يوجد لدينا مدارس حكومية مهيأة 100 %"، حسبما يشكو رئيس المجلس الأعلى لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة. ويشير الأمير مرعد إلى تجارب مدارس لديها دمج جزئي مثل غرف المصادر أو غرف الإعاقة الذهنية، حيث يدرس ذوو إعاقة.

في العام 2017 اختارت وزارة التربية والتعليم والمجلس الأعلى لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة أربع مدارس حكومية لتكون مدارس نموذجية للمدارس الدامجة في الأردن، هذه المدارس تمثّل "عينة" من تجربة الدمج الذي تسعى إليه الوزارة، بحسب مدير إدارة التربية الخاصة د. سامي المحاسيس. ويشرح د. المحاسيس بأن تلك المدارس – التي أنشئت بمنح أجنبية- اختيرت وفق معايير جاهزيتها الفنية ومطابقتها لكودات البناء العالمية. كما أن مناطق انتشار هذه المدارس تصنّف من الأفقر والأكثر انتشارا لحالات إعاقة؛ إحداها مدرسة خولة بنت الأزور الأساسية بمنطقة المشارع في الأغوار. ورغم هذا التصنيف، فإن عدد ذوي الإعاقة فيها لا يتجاوز عشرة من 628 طالبا وطالبة، حسب جمعية أصحاب الهمم الناشطة الخيرية غير الحكومية، في المنطقة. ومع ذلك؛ تتبع معد التحقيق حالات رفض تسجيل أطفال من ذوي الإعاقة في هذه المدرسة.

المشارع.. منطقة منكوبة

خلال زيارته لبلدة المشارع في لواء الأغوار الشمالية في تشرين الأول (أكتوبر) 2017، أوعز الملك عبدالله الثاني بدراسة أوضاع أصحاب الإعاقات في البلدة وتقديم خدمات الرعاية النوعية لهم من خلال المؤسسات المعنية.

امتدادا للزيارة الملكية، نفّذ المجلس الأعلى لشؤون الأشخاص ذوي الإعاقة مسحاً ميدانياً في منطقة المشارع شمل 504 أسرة؛ 96 % منها تحت خط الفقر؛ المقدر ب 365 دينارا للأسرة شهريا، وفق آخر تقرير لدائرة الإحصاءات العامة العام 2010. ورصد المجلس 570 شخصا من ذوي الإعاقة – من بينهم 132 طفلا في سن التعلم - موزعين على 454 أسرة، أي 90 % من الأسر التي شملها المسح. ومن بين ملاحظات ذلك المسح: "عدم توفر خدمات الحياة الأساسية؛ الصحية والتعليمية والمهنية والبيئية الآمنة".

ولاحظ فريق المسح أن معظم المدارس بحاجة إلى صيانة، وتوفير ترتيبات تيسيرية لدمج الطلاب ذوي الإعاقة؛ بخاصة الإعاقة الحركية التي تشكل 40 ٪ من الإعاقات في المنطقة. ووجد أيضا أن مدارس الحكومة (عددها؟) تخلو من الكوادر المتخصصة في التعامل مع ذوي الإعاقة في عمر الدراسة، الذين يشكلّون 23 % من العدد الإجمالي للعينة.

[caption id="attachment_749444" align="alignnone" width="581"] أحد الأطفال الذين حرموا من مقاعد الدراسة بسبب إعاقاتهم[/caption]

المدارس الخاصة.. تحد مُركّب

اصطدم محمود طهبوب بعوائق عديدة خلال رحلة بحثه عن مدرسة حكومية تقبل ابنه حمزة من ذوي الإعاقة الذهنية (متلازمة داون). بعد أن صدّت الأبواب، أخذ طهبوب ابنه إلى مدرسة (المدينة الحديثة) الخاصة في عمان. هناك، دفع 4500 دينار رسوما سنوية؛ يسدّد نصفها صندوق آل طهبوب كمساعدة لحمزة ووالده. يدفع الأب النصف الثاني، ما يشكل عبئاً على أسرته، علما أنه يعمل موزع جُملة بمعدل دخل شهري غير ثابت لا يتجاوز 1000 دينار.

الأمير مرعد بن رعد يرى أن تجارب القطاع الخاص في دمج الأشخاص ذوي الإعاقة سجّلت تقدما وفق أعلى المعايير. لكن هذا الخيار ليس مطروحا أمام علاء شاهين، الذي اصطدم برسوم 12 ألف دينار لدى بحثه عن مدرسة خاصة لابنه أوس. وفق ذلك، طلبت إدارة المدرسة توقيع ولي أمر أوس على تعهد للمدرسة يخلي فيه مسؤوليتها عن كل ما يحصل للطفل داخلها.

لم يستطع معد التحقيق الحصول على نسخة من الإقرار. على أنّه لاحظ تطابقا في النص لدى مقارنة ثلاثة إقرارات لثلاث عائلات: "إخلاء مسؤولية إدارة المدرسة والمعلمين عن أي ضرر قد يصيب الطالب داخل المدرسة".

صحوة متأخرة

وزارة التربية والتعليم تعمل بالتعاون مع المجلس الأعلى لشؤون الأشخاص ذوي الإعاقة على خطّة عشرية- كان يفترض أن تطلق مطلع 2019- لتهيئة بيئة دامجة في المدارس الحكومية.

أبرز ملامح هذه الخطة تهيئة البنية التحتية في المدارس الحكومية عبر إعداد كادر تعليمي مؤهل، مناهج مخصّصة لهذه الفئة، ومدراء مدارس للتعامل مع الأشخاص ذوي الإعاقة، حسبما يشرح د. سامي المحاسيس.

على أن تلك الخطّة لا تزال حبرا على ورق، إذ خلت موازنة التربية الخاصّة عام 2019 من أي بند حولها. وثمّة خشية بأن يلقى المشروع الحالي مصير استراتيجية وطنية للأشخاص ذوي الإعاقة طرحت خلال الفترة (2007-2015). في ذلك الوقت، أمر الملك بوضع استراتيجية استهدفت شمول معظم قضايا الأشخاص ذوي الإعاقة، لا سيما ملف التعليم الدامج. إلا أن 50 % من أهداف تلك الاستراتيجية لم تر النور بعد أربعة أعوام على انتهاء المهلة، حسبما يؤكد أمين عام المجلس الأعلى لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة مهند العزّة.

ويرجع العزّة تباطؤ المشروع إلى إغراق المجلس بمهام الوزارات الخارجة عن نطاق اختصاصه: "معظم الوزارات لا تقوم بعملها والتزاماتها التي نصت عليها الاستراتيجية، وبالتالي أحيلت هذه المهام إلى المجلس، ما أدى إلى استنزاف طاقاته، موارده البشرية والفنية والمعرفية في تقديم الخدمات المباشرة". وفوق ذلك، ثمّة ضعف في آليات التنسيق بين المؤسسات المعنية بتنفيذ الاستراتيجية، علما أن المادة 33 من اتفاق الاستراتيجية تنص على وضع هذه الآلية، بحسب العزّة، لافتا إلى أن "غيابها أحال جميع المهام إلى المجلس".

من جانبه يؤكد رئيس المجلس الأعلى لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة أن "الإرادة موجودة"، لافتا إلى أن "ملف التعليم الدامج يشكّل أولوية رئيسة بالنسبة للمجلس (..) الذي لديه دور رقابي، وإذا لاحظ أي تقصير سيتم الوقوف عنده مع المعنيين".

جيل الاتفاقية

حسن (17 عاما) لم تسعفه القوانين والإجراءات الحكومية لبدء مسيرته التعليمية قبل نحو 10 سنوات عندما صادق الأردن على اتفاقية الأشخاص ذوي الإعاقة.

"طاردت أنا وأهلي على مدارس الحكومة عشان أدرس فيها ولا مدرسة قبلت فيي"، يستذكر حسن، الذي تُصنّف إعاقته ضمن الإعاقات البسيطة. وضع ذويه المادي منع حسن من إكمال دراسته في مدرسة عين الباشا الخاصة.

انتهت مسيرة حسن التعليمية بعد ثلاثة أعوام فقط على بدئها. أنهى صفه الثالث في مدرسة خاصة ثم أُرغم على تركها لأسباب مادية، بعد أن أُغلقت المدارس الحكومية أبوابها في وجهه.

يمثل حسن ما يمكن تسميته بـ"جيل الاتفاقية" الذين حالَ غيابُ تطبيق البيئة التشريعية دون دمجهم في المدارس الحكومية.

وإلى اليوم، يغرق حسن في حزنه لدى رؤية أقرانه في طريقهم إلى مدارسهم. فهذا الطفل الذي كان مفعماً بالأمل والطموح، يطرق سن السابعة عشرة وقد ذوى حلمه بدخول كلية الهندسة الميكانيكية. وهو يكدح حاليا في محل متواضع بمخيم البقعة لتصليح المعدّات الخاصة بذوي الإعاقة.

* أنجز هذا التحقيق لصالح شبكة "أريج" إعلاميون من أجل استقصائية عربية