الاستثمار في الإنسان مسؤولية اجتماعية وأخلاقية

*غسان الطالب

 نقف اليوم على اعتاب عام دراسي جديد بعد انقضاء الفصل الصيفي لجامعاتنا الاردنية وبدء العام الدراسي الجديد للمدارس، ومع ترقب اولياء امور الطلبة لمن ما يزال ابناؤهم على مقاعد الدراسة او ممن تحصلوا على نتائج الثانوية العامة، والبعض منهم تثقله هموم التكاليف المادية لتغطية نفقات دراستهم خاصة بعد ان القي على كاهل الآباء واولياء الامور عبء تحمل تكاليف دراسة ابنائهم، ونقدر الهم والعبء الاجتماعي الذي يثقل تطلعاتهم بأن يتمكن ابناؤهم من دراسة التخصص الذي يناسب مستواهم العلمي، فقد رأينا بعض المواقف المؤلمة لبعض الطلبة ممن تحصلوا على معدلات مرتفعة تؤهلهم لدراسة افضل انواع التخصصات الا ان العائق المادي لهم حال دون ذلك، فذهبوا الى تخصصات دون مؤهلهم العلمي، او صرفوا النظر عن مواصلة دراستهم، فالخاسر الاول هو المجتمع كون الاستثمار في هؤلاء كان بالامكان ان يعود بالفائدة العظمي على المجتمع والاقتصاد الوطني، ثم الظلم الاجتماعي والضرر النفسي الذي يمكن ان يلحق بهم لحرمانهم من مواصلة تعليمهم، هذا الحديث يقودنا الى التكلم عن اهمية الاستثمار في الانسان كونه العنصر الرئيس في بناء الاقتصاد وتطور المجتمع.          اضافة اعلان
من هنا يمكننا القول إن الاستثمار في الإنسان يعد أفضل أنواع الاستثمار لأنه الأساس الصحيح والسليم لبناء مجتمع صالح وقوي اجتماعيا واقتصاديا. ونقصد بالاستثمار في الإنسان إعطاء الأولوية للاهتمام بالجيل الناشئ ومنحه فرص التعليم والرعاية الصحية وكل مستلزمات التكوين العلمي والمهني حتى يكون قادرا على تحمل المسؤولية. ومع انتشار الفقر وتنوع احتياجات الحياة، نجد العديد من أبناء الوطن الذين تتوفر لديهم القدرات الذهنية لا يجدون الفرص لتبني قدراتهم واستثمارها حتى تسهم في تطور الحياة الاقتصادية والاجتماعية لبلدهم، عندها يكون الوطن هو الخاسر الأكبر؛ حيث سيكونون عبئا على المجتمع بدل أن يكونوا أداة للنهوض به.
لقد رأينا وسمعنا عن العديد من الحالات وقصص نجاح نفتخر بها لآباء استثمروا بأبنائهم وضحوا وكابدوا في حياتهم من أجلهم فأصبح منهم الطبيب والعالم والمعلم الخ... وبالنتيجة كان الوطن هو المستفيد من عطاء هؤلاء النخبة وتميزهم، وفي المقابل كم من أصحاب هذه العقول توقفوا ولم يتمكنوا من مواصلة طريقهم لغياب الإمكانات وعدم قدرة ذويهم على الاستمرار في الاستثمار بهم، فنكون بذلك قد فقدنا فرصة من التقدم والرقي بمجتمعنا، في الوقت الذي لم تعد فيه الدولة قادرة على توفير مستلزمات هذا القطاع الواسع من الطلبة وتعدد رغباتهم التعليمية مع ارتفاع تكاليف الدراسة سواء المدرسية أو الجامعية والموزعة بين القطاعين العام والخاص.
من هذا الواقع كنا نتحدث نحن والعديد من أصحاب الأقلام النيرة والمهتمين بالتمويل الإسلامي عن المسؤولية الأخلاقية والاجتماعية لمصارفنا الإسلامية تجاه مجتمعاتنا وبما ينسجم مع أحكام الشريعة الإسلامية ومن ثم تأكيد مبدأ الابتكار والتجديد في صناعتها المصرفية والتي من شأنها أن تسهم في تحقيق رسالتها المنشودة، والتفكير في شكل مستمر باحتياجات المجتمع من عناصر التطور الاقتصادي والاجتماعي.
مناسبة هذا الحديث هو ظهور منتجات إسلامية في بعض المصارف الاسلامية  تمثلت في سداد الرسوم المدرسية والجامعية عن أولياء أمور الطلبة بهدف مساعدتهم على مواصلة مسيرة تعليم أبنائهم، من خلال تمويل يتوافق مع أحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية، الغرض منه تقديم الخدمة لعملاء المصرف والطلبة الراغبين في مواصلة دراستهم وتوفير إمكانية التمويل اللازمة لهم، وفي الوقت نفسه يعمل على توظيف الموارد المالية المتاحة في مصارفنا الإسلامية لتحقيق خدمة ذات مردود اقتصادي واجتماعي للمجتمع، الا اننا نتطلع لدور اوسع في هذا المجال من منطلق المسؤولية الاجتماعية والاخلاقية لمصارفنا الاسلامية وتفعيل للقرض الحسن بغض النظر عن مصدره سواء المصرف او اهل الخير من ابناء المجتمع، لما لذلك من أهمية تمويلية لا تترك أعباء مالية على المستفيدين منه.
 مع تقديرنا لأهمية مثل هذه الخطوات نتطلع إلى وضع ضوابط وشروط لهذه الخدمة كي لا تربك ذوي الطلبة، خصوصا وأن طالبيها سيكونون على الأغلب من ذوي الإمكانات المحدودة وأن ترتبط كذلك بمستوى التحصيل العلمي لأبنائهم حتى تكون حافزا للنجاح وليس عبئا ماليا مضافا، كما ننتظر من بقية مصارفنا الإسلامية سواء العاملة في السوق المصرفي الأردني أو في المجتمعات الإسلامية الأخرى أن تبادر إلى تطوير خدماتها الاجتماعية، خصوصا في قطاع التعليم وبقية القطاعات الأخرى ذات العائد الاجتماعي.

*باحث في التمويل الاسلامي