التربية تنعكس على شدة التأثر بالانفصال عن الشريك

يعد الانفصال عن شريك الحياة من أصعب التجارب التي يخوضها المرء في حياته - (أرشيفية)
يعد الانفصال عن شريك الحياة من أصعب التجارب التي يخوضها المرء في حياته - (أرشيفية)

علاء علي عبد

عمان- يعد الانفصال عن شريك الحياة من أصعب التجارب التي يخوضها المرء في حياته. لكن تلك الصعوبة تتفاوت بين شخص وآخر؛ حيث نجد البعض يتمكنون من التأقلم مع تلك التجربة بشكل أسرع من غيرهم.اضافة اعلان
وعلى الرغم من أن كل علاقة تختلف عن غيرها، مما يجعل الانفصال يعكس طبيعة تلك العلاقة على الطرفين، إلا أن الدراسات العلمية أكدت أن طبيعة تعلق المرء بالطرف الآخر تتحكم أيضا بمدى الألم الذي يعانيه حال الانفصال عنه.
وتتشكل طريقة التعلق بالطرف الآخر في سن مبكرة من حياة المرء، وتبدأ بطريقة التعامل التي تجمع بينه وبين من يقومون على رعايته والذين غالبا ما يكونون الوالدين. وتلك الطريقة تصبح نموذجا أساسيا يستمر مع المرء حتى بعد بلوغه، وتنعكس على أسلوب تعامله مع شريكة حياته، بحسب البروفيسور دان سيغال.
فعلى سبيل المثال فيما يتعلق بطريقة التعلق نجد هناك التعلق الآمن والذي يشعر الطفل بأنه يلقى الأمن والرعاية والعطف بشكل يشبع احتياجاته، وبالتالي فإنه ينمو عاطفيا نموا سليما ينعكس على علاقاته فيما بعد. وهناك التعلق غير الآمن الذي يمكن أن يقود المرء لنوعيات فرعية أخرى من التعلق؛ التعلق الانطوائي أو التعلق القلق أو التعلق غير المنتظم.
وفيما يلي طبيعة كل تعلق فرعي ليتمكن الفرد من التمييز بينها:
- التعلق الانطوائي: يتشكل هذا النوع من التعلق عندما يكون راعي الطفل، سواء الوالدان أو غيرهما، غير متواجد عاطفيا في حياة الطفل. في مثل هذه البيئة الصعبة التي تحيط بالطفل يجد نفسه وكنوع من التأقلم، يتعلم بأن السبيل الوحيد للحصول على احتياجاته الأساسية تكون عبر التظاهر بأنه لا يوجد لديه أي احتياجات أصلا. وعند البلوغ يمكن لهذا الطفل أن يحول تعلقه الانطوائي إلى تعلق انطوائي رافض مع شريكة حياته بحيث يظهر ميلا لإشعارها إلى عدم الاكتراث لوجودها في حياته.
- التعلق القلق: من يتشكل لديه هذا النوع من التعلق نجد بأن من يقوم على رعايته يحرص على التواجد مع الطفل في بعض الأوقات ويعامله بحب، ولكن في البعض الآخر يعامله بطريقة لا تراعي مشاعره أو يعامله بطريقة التدخل بكل ما يخص شؤون حياته. هذا الطفل يتعلم في سن مبكرة أن الالتصاق بمن يرعاه أو التركيز الشديد معه يجعله يحصل على احتياجاته. وينعكس هذا الأمر على علاقته بشريكة حياته لاحقا حيث تكون لديه ميولا متهورا بإظهار حاجته لأن تكون شريكة حياته معه طوال الوقت.
- التعلق غير المنتظم: يتشكل هذا النوع من التعلق عندما يتعرض الطفل للخوف أو الصدمة من الشخص الذي يفترض أن يلجأ له بحثا عن الأمان كالأب أو الأم. وهذا يحدث عندما يكون الأب أو الأم تعرضا في مراحل طفولتهما لصدمة بقيت معهما حتى بلوغهما وانعكست أيضا على أطفالهما. عندما يتربى الطفل بهذه الطريقة فإنه لا يتمكن من إيجاد الأسلوب المناسب للحصول على احتياجاته وذلك كونه لا يستطيع توقع ردة فعل والديه. هذا الأمر يستمر مع الطفل لما بعد البلوغ وينعكس على علاقته مع شريك حياته بحيث يتشكل لديه نوع من التعلق الممزوج بالخوف المضطرب، فتجده عندما يحاول شريك حياته الانسحاب يبقى ملتصقا به ومظهرا مدى حاجته له، وعندما يعاود الاقتراب منه ويتجاهل الخلافات فإنه يشعر بالضيق ويحاول الانسحاب.
من خلال التعرف على نموذج التعلق الخاص بكل شخص فإنه يمكننا التعرف على أسلوب تعامله من شريكة حياته وعلى مدى تأثره حال انفصل عنها.
لذا فإن الشخص الذي يلجأ إلى التعلق القلق، فإنه غالبا ما يشعره بداخله بافتقاد الأمان وبمخاوف عميقة من أن يتصرف تصرفا معينا يؤدي لرفضه من قبل شريكة حياته. علما بأنه في كثير من الأحيان قد يصل به الأمر لربط هويته كشخص بهوية شريكة حياته، وهذا الأمر لا يتم بوعي وإدراك منه ولكنه يقوم به بالفطرة، إن جاز التعبير، نظرا لكونه يرى هذا الأمر من ضروريات حياته. فقد اعتاد منذ الصغر الالتصاق بوالديه للحصول على احتياجاته التي كانت في ذلك الوقت بالفعل من ضروريات حياته. وبعد بلوغه أصبح ينظر للعلاقة التي تربطه بشريك حياته وكأنها تمنحه شعورا بوجوده، وبالتالي فإن إنهاء تلك العلاقة سيؤدي لأن يخسر نفسه أيضا وليس شريك حياته فحسب.
وعلى الرغم من أن أسلوب التعلق الذي يتعامل به المرء يؤثر ويستمر معه منذ الطفولة، إلا أنه ومن حسن الحظ يمكن أن يعدل من ذلك الأسلوب في أي وقت يشاء وذلك من خلال إنشاء نوع من التعلق مع شخص يتبع نظام تعلق أفضل من الذي تتبعه أنت، أو من خلال مراجعة المعالج النفسي الذي يستطيع إنشاء علاقة سليمة بينك وبينه بحيث تساعدك تلك العلاقة على تعديل أسلوب التعلق الذي تتبعه. كما ويمكن للمرء أن يسترجع شريط حياته ويلامس مواطن التعب التي عاشها في مراحل حياته المختلفة، ومن ثم يسمح لنفسه بالشعور وتفريغ الألم الذي تسببت به تلك المراحل، ولا بأس لو بكى فالمهم عدم كبت مشاعره ومن ثم يهيئ نفسه للانتقال لمرحلة جديدة بعد أن يكتشف أن جميع الصعوبات السابقة لم توقف مسيرته في الحياة، الأمر الذي يمنحه شيئا من القوة الذاتية، التي يمكن أن تغير نظرته لظروفه، وبالتالي يتمكن من تحسين أسلوب تعلقه بالآخرين.