التعامل يحدد ميل الأبناء العاطفي إلى أحد الأبوين

 منى أبو صبح

عمان- "أمي هي الحياة"، بهاتين الكلمتين عبرت العشرينية فادية الصمادي عن حبها وعلاقتها الوطيدة بوالدتها، وفي الوقت ذاته تبين أنها تحب والدها.. لكنها لا تشعر بذلك.اضافة اعلان
الصمادي التي تحب أيضا والدها لكنها لا تشعر مطلقا بأنه قريب منها أو من أشقائها، تؤكد قائلة  "أعرف تماما أن الأم هي مصدر الحنان لكل الأبناء.. لكن والدتي مميزة بأنها أختي.. صديقتي.. تعلم وتشعر بما يدور في خاطري مباشرة.. لا يمكنني تجاوزها في أمر ما، حتى عندما أريد شيئا من والدي أوكل هذه المهمة لها.. فلا أطلب من والدي شيئا ما إلا من خلالها".
وتعزو الصمادي سر ميلها الشديد إلى والدتها إلى انشغال والدها بعمله ومع الآخرين من الأهل والأقارب ومشاركتهم همومهم وحل مشاكلهم وغيرها، مما "يقصيه عنا نحن أبناءه واحتياجاتنا المتعددة، فنحن نحتاج إلى الحوار معه وإلى فرصة تجمعنا معه تزيد من الألفة بيننا".
الصمادي وغيرها العديد من الأبناء سواء الذكور أو الإناث، يرون أن الأم هي الأقرب لأنفسهم، سواء في المحبة، المعاملة، الإصغاء لهم، مراعاة شؤونهم والاهتمام بكل صغيرة وكبيرة في حياتهم، تقبل أخطائهم وغيرها العديد من الصفات، وهناك على العكس تماما يعتقد أبناء بأن والدهم هو الأقرب لهم، ويتحدثون إليه وعنه دائما، ويعلم بخصوصياتهم أكثر من الأم، كما وهناك أبناء لا يمكنهم التمييز بين والديهم سواء بالمحبة أو بالعناية والاهتمام بهم.
المهندسة عرين عبدالله تعتقد أن والدها هو الأقرب لنفسها، وتراه مثلها الأعلى في كل شيء.. فقد تولى مهمة تدريسها في الصغر، ويتابع شؤونها دائما.. ويخططان سويا لإنجاز أمر ما بعيدا عن الوالدة.
تقول عبدالله "هذا لا يعني أني لا أحب والدتي، لكني لا أتخيل أن يمضي يوم من دون الرجوع لوالدي ومشاورته أو مناقشته حول موضوع معين، حتى عندما يسافر لبلد ما، أنتظر بفارغ الصبر عودته ووجوده بجانبي".
ويجزم الطالب الجامعي فايز عمران أن نجاحه وتفوقه العلمي في دراسة تخصص الصيدلة يعودان لوالدته التي تدعمه وتشجعه دائما، مؤكدا أن والده الغائب الحاضر في المنزل، تقتصر مهمته على توفير احتياجات المنزل.
يقول عمران: "يبذل والدي جهدا لتأمين احتياجاتنا، لكنني أراه يظلم نفسه ويظلمنا في الوقت ذاته.. فالحياة ليست عملا فقط".
ويستذكر عمران مواقف لوالده تسبب إحراجه أمام أصدقائه، منها عدم معرفته بأي صف يدرس أمام الأقارب، الصراخ عليه وأحيانا يصل لحد الضرب أمام الآخرين.. وغيرها من المواقف التي أثرت سلبا في نفس عمران.
اختصاصي علم النفس د. موسى مطارنة، يقول: "الأسرة بالتكوين أب وأم، وبقدر ما يتعامل كل منهما أو يتمكن بالتعامل والوصول إلى الأطفال بقدر ما يحصل على حبهم، فهناك أب يقدم للأطفال ما يشبع احتياجاتهم النفسية"، موضحا "وبالتالي يصبح هناك ميل له أكثر، فهناك أم لا تقدم هذا الإشباع وبالتالي يصبح هناك عدم ميل".
ويبين "الميل يتوقف على طريقة تعامل الأب والأم مع الأطفال، فالأطفال دائما يميلون إلى من يمنحهم حقهم في اللعب والضحك والحركة، ومن يمنحهم هذه المساحة.. من يستقبلهم بضحكة يستطيع أن يمتلك قلوبهم، ومن يقوم بالعكس يصبح هناك حالة من النفور والابتعاد عنه".
ويذهب مطارنة إلى أن الميل ليس فطريا، بل هو نتيجة لما يتم التعامل به داخل الأسرة والتنشئة الأسرية، فأحيانا الأولاد يميلون للأب والبنات يملن إلى الأم، وأحيانا العكس، وكل الأمر يتوقف على قدر ما يحتوي هؤلاء الآباء أو الأمهات أطفالهم.
الأطفال منذ ولادتهم الأولى، كما يقول، يحتاجون إلى البسمة والضحكة والحنان والعطف والدفء، يحتاجون إلى متطلبات النماء عندهم في مراحلهم العمرية المختلفة، ففي مرحلة ما تكون هناك حالة من الاستقلال، وتتطلب متطلبات ومعطيات جديدة، وبالتالي بقدر ما استطاعت هذه الأسرة أن تتعامل مع الأبناء ضمن متطلباتهم الحياتية وفق إطار الوعي وأساليب تربية حديثة، أصبح هؤلاء الأطفال يميلون إلى الطرف هذا أو ذاك.
وهذا لا يعني أبدا، وفق مطارنة، أن أي طفل لا يحب أبويه، لكن يميل لأحد منهما عن الآخر، وهذا ما يتضح في حالات الانفصال فهناك أطفال يطلبون البقاء مع الأب وآخرون مع الأم، والأغلب مع الأم، كونها مصدر الحنان والعطف.
ويشير اختصاصي الاجتماع الدكتور منذر زيتون، إلى أن علاقة الابن بالأم أو الأب قد تشير إلى أمر سلبي أو إيجابي، فالسلبي ينتج عندما يكون تعامل أحد الأبوين ليس بالمستوى المطلوب مثل القسوة، الإهمال، التعنيف، التصلب أو خلل ما، وبالتالي تضعف العلاقة تجاه الأب أو الأم كردة فعل فيميل إلى الطرف الآخر الذي قد يجده أقرب أو ألين.
ويقول: "هذه قضية سلبية، لكنها قد تشير إلى قضية إيجابية أيضا، إنه ليس ردة فعل، بل إن الابن يميل لمن يشعر أنه يقدره، فقد لا يعنفه أو يقسو عليه الطرف الثاني".
ويضيف زيتون "شعور طرف واهتمامه أكثر من الآخر، أحيانا قد يكون فطريا، أن الفتاة في الغالب تنجذب لأبيها أكثر، ولاختلاف الجنس يكون الأب أقرب إليها وهذا شيء فطري".
ويبين أن الأكثر ظهورا هو أن تميل الفتاة إلى الأب كثيرا، وليس بالضرورة أن يميل الابن لوالده أكثر، وأغلب الدراسات تبين أن علاقة الأب بالابن تكون أكثر حدة، لأن الأب دائما يريد ولده نموذجا تطابقيا له ومثاليا.
والثمرة من هذا الأمر، كما يقول زيتون، توافق للتربية بين الأب والأم تجاه الأولاد بحيث يكون الاثنان متوافقين على نظام تربوي متزن. الأب والأم متوافقان تجاه الابن.
ويؤكد زيتون أنه في الأصل أن لا تكون هنالك قسوة في تعامل الآباء مع الأبناء، فإذا كان الآباء لا يجيدون التعامل مع أبنائهم، فهذا سيكون مقدمة لعقوق في المستقبل، وقد يميل لقدوة أخرى مثل (المعلم)، أو قد يقع لضحية تجذبه تقوم باستغلاله.. كونه يجد فيها ما لا يجده لدى والديه، ولهذا يجب على الأهل الانتباه جيدا لهذا الأمر.