التغيير الثقافي باعتباره شرطا مسبقا للتنمية السياسية

ترجمة: الدكتور محمد العساف *

تستكشف المقالة المترجمة بأدناه المحركات العميقة للثقافة الأردنية مقارنة مع الثقافات الأخرى. حيث يعتمد البروفيسور الهولندي جيرت هوفستيد في تحليله طبيعة الثقافة الأردنية على مجموعة معايير ومؤشرات علمية لتشخيص طبيعة الثقافات ومحركاتها. وفي هذا التقديم، أود أن أبدي بعض الملاحظات الجوهرية، أولا: إن الأستاذ جيرت، وبناء على تطبيق المعايير التي اعتمدها على المجتمع الأردني، قد خلُص إلى أنه مجتمع هرمي، تحتل فيه العائلة، والعائلة الممتدة، والقبيلة مركزا جوهريا. الأمر الذي يعني، كذلك، أن السلطة الأبوية أو الرأسية هي المعلم الرئيسي لشكل المؤسسة الاجتماعية والسياسية. كما أن تحليله لبقية الأبعاد المتضمنة في مقالته ونتائجها تنتظم جميعها في خدمة هذا الشكل وتشخيصه.
ثانيا: إن النظر في هذه الأبعاد ومعانيها ربما يدعو القرّاء إلى الذهاب بأنها قابلة للمطابقة على مجموعة من المجتمعات العربية، ولو باختلاف النسب حسب المعايير والمؤشرات المعتمدة في هذه الدراسة.
ثالثا: على الرغم من تأكيد البروفيسور جيرت أن الثقافات تتغير ببطء، وأنه يمكن اعتبار نتائج هذه الدراسة صالحة لهذا التاريخ، إلا أن بعض الدراسات الحديثة، تبيّن، وإن ليست بصورة قاطعة، أن صعود الفردية (Individualism) في المجتمعات العربية قد غيّرت الشرق الأوسط، وأحدثت تحولات رئيسية في الثقافة العربية والأردنية، وحولت منبع الثقة نسبيا، من الشبكات الهرمية إلى الشبكات الأفقية. كما عملت الأخيرة على تذرير الأفراد، وأحلت العلاقات الطوعية بدلا من القبيلة والأسر كمصدر قوة، ودفعت تجاه نمط الحياة الغربية اجتماعيا. كما أن محركات الثقافة الفردية، والتي منها التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي، والتحضر، والتحول في أسواق العمل إلى الاعتماد على المنافسة والكفاءة، تقلل كلها من فعالية المؤسسة الاجتماعية والبنية الهرمية، وتحل محلها تدريجيا البنية الأفقية. حيث تستدعي الصورة الأخيرة ما آلت إليه الثقافة الأردنية، باعتبارها صورة مخالفة لما قدمه البروفيسور جيرت، مما يتطلب ضرورة تطوير مؤسسات وأوعية قابلة لاستيعاب مخرجات هذه التحولات الثقافية في طبيعة المجتمع الأردني، والعربي على العموم.
وأخيرا، من المفيد أن تؤخذ هذه الأبعاد والآراء من قبل المختصين؛ حالة وضع معايير للثقافة الأردنية في الميادين المختلفة، ثقافيا، واجتماعيا، وسياسيا، واقتصاديا.
وفيما يلي ترجمة لمقالة البروفيسور هوفستيد، وعنوانها "المحركات العميقة للثقافة الأردنية بالنسبة إلى الثقافات العالمية الأخرى".
"إذا حاولنا أن نستكشف الثقافة الأردنية من خلال عدسة سداسية الأبعاد (موديل D-6)، فإنه يمكننا الحصول على لمحة ونظرة عامة للمحركات والمحفزات العميقة للثقافة الأردنية بالنسبة للثقافات الأخرى.

  • Power Distance: تفاوت وتباين السلطة.
    يتعامل هذا البعد مع حقيقة أن جميع الأفراد في المجتمعات ليسوا متساوين- إنه يعبر عن موقف الثقافة تجاه هذه التفاوتات بيننا. ويتم تعريف مسافة تباين السلطة على أنه المدى الذي يتوقعه الأعضاء الأقل نفوذا في المؤسسات والمنظمات داخل البلد، ويقبلون (بناء عليه) توزيع هذه السلطة بشكل غير متساو.
    ومع حصوله على درجة عالية (70) على هذا البُعد، يعتبر المجتمع الأردني مجتمعا هرميا (Hierarchical Society). ويعني هذا أن الناس تقبل ترتيبا هرميا يكون لكل فرد فيه مكان، ولا يحتاج لمزيد من التبرير. حيث ينظر للهرمية في المؤسسة على أنها انعكاس للتفاوتات الموروثة، وانتشار للمركزية، كما يتوقع المرؤوسون إخبارهم بما يجب عليهم فعله، ما يعني أن الرئيس الفعلي أو المثالي هو الأوتوقراطي المحبوب.
  • Individualism: الفردية.
    إن القضية الأساسية التي يعالجها هذا البعد هي درجة الترابط التي يحافظ عليها المجتمع بين أعضائه. ويتعلق الأمر بما إذا كانت الصورة الذاتية للأشخاص محددة بمصطلح "أنا" أو "نحن". ففي المجتمعات الفردية، من المفترض أن يهتم الناس بأنفسهم وعائلاتهم المباشرة فقط. أما في المجتمعات الجماعية، فينتمي الناس إلى "مجموعات" والتي تهمهم، بدورها، بهم مقابل الولاء.
    إن حصول الأردن على علامة منخفضة (30) على هذا البعد يعني أنه مجتمع جماعي. وهذا واضح في التزام العضو الوثيق والطويل الأجل تجاه "المجموعة"، سواء أكانت عائلة أم عائلة ممتدة، أم علاقات طويلة. ويعتبر الولاء في الثقافة الجماعية أمرا بالغ الأهمية، ويتخطى معظم القواعد والقوانين التنظيمية الأخرى. حيث يتبنى ويعزز المجتمع علاقات قوية، ويتحمل كل فرد فيه مسؤوليته تجاه أعضاء مجموعته. وفي المجتمعات الجماعية: تؤدي الإهانة إلى الخزي وفقدان ماء الوجه، كما أن علاقات الموظِف والموظَف يتم فهمها من الناحية الأخلاقية مثل (رابط الأسرة)، حيث تأخذ قرارات التوظيف والترقية في الاعتبار الموظَف داخل المجموعة، كما أن الإدارة هي إدارة المجموعات.
  • Masculinity: الذكورية.
  • تشير الدرجة العالية المسجلة للذكورية على هذا البعد إلى أن المجتمع سيكون مدفوعا بالمنافسة والإنجاز والنجاح، مع كون النجاح محددا بواسطة الفائز/الأفضل في المجال- نظام قيم يبدأ في المدرسة ويستمر طوال الحياة التنظيمية.
    وإن علامة منخفضة لمفهوم (الأنثوي Feminine) على هذا البعد تعني أن القيم المهيمنة في المجتمع هي العناية بالآخرين ونوعية الحياة. إن المجتمع الأنثوي هو مجتمع تكون فيه نوعية الحياة علامة على النجاح والظهور من بين الجماهير أمر غير مثير للإعجاب. إن القضية الأساسية هنا هي ما الذي يحفز الناس؟ الرغبة بأن يكونوا الأفضل (الذكورية) أم الإعجاب بما يعملون (الأنثوي).
    وتسجيل الأردن على هذا البعد درجة منخفضة بصورة معتدلة نوعا ما (45)، ما يعني أنه يعتبر، بالتالي، مجتمعا أنثويا. حيث يتم التركيز في الدول الأنثوية على "العمل من أجل العيش"، كما يجاهد المدراء من أجل تحقيق التوافق (الإجماع)، ومن جانبهم، يقدر الناس المساواة والتضامن والجودة في حياتهم العملية. كذلك تُحل الصراعات والنزاعات من خلال التسوية والمفاوضات. وتعتبر الحوافز من قبيل الوقت الحر والمرونة هي حوافز محببة ومفضلة. إضافة إلى أن التركيز ينصب على الرفاهية، أما الوضع (Status) فلا يظهر ولا يتم التأكيد عليه.
  • Uncertainty Avoidance:
    تجنب الشك والمجهول:
    يتعلق هذا البعد بالطريقة التي يتعامل بها المجتمع مع حقيقة أنه لا يمكن أبدا معرفة المستقبل. هل علينا محاولة السيطرة على المستقبل أم ندعه يحدث فقط؟ يجلب هذا الغموض معه القلق، وقد تعلمت ثقافات مختلفة أن تتعامل مع القلق بطرق مختلفة. إن المدى الذي يشعر فيه أفراد ثقافة ما بالتهديد من المواقف الغامضة أو غير المعروفة وإيجاد معتقدات ومؤسسات لتحاول تجنب تلك المواقف ينعكس في درجة تجنب المجهول والشك.
    حيث يحصل الأردن على درجة متوسطة على هذا البعد تبلغ (65) حسب قائمة البيانات المرفقة، وبالتالي فإن لديه تفضيلا كبيرا لتجنب المجهول وعدم اليقين. وتحتفظ البلدان التي تظهر تفاديا كبيرا للمجهول بقواعد صارمة للاعتقاد والسلوك، ولا تتسامح مع السلوك والأفكار غير التقليدية.
  • Long Term Orientation:
    توجهات طويلة الأمد.
    يصف هذا البعد الكيفية التي يتوجب من خلالها على كل مجتمع أن يحافظ على الروابط التي تبقيه متصلا مع ماضيه الخاص بينما يتعامل مع تحديات الحاضر والمستقبل، وتمنح المجتمعات الأولوية لهذين الهدفين الوجوديين بشكل مختلف. فالمجتمعات المعيارية، والتي تسجل درجة منخفضة على هذا البعد، مثلا، تفضل الحفاظ على التقاليد والقواعد العريقة أثناء معاينة التغيير المجتمعي بشك. أما أؤلئك الذين تسجل ثقافتهم درجة عالية، حسب هذا البعد، من ناحية أخرى، فإنهم يتخذون نهجا أكثر براجماتية: حيث يشجعون النمو السليم القوي، والجهود في التعليم الحديث كطريقة للاستعداد للمستقبل.
    إن الدرجة المنخفضة جدا (16) التي سجلها الأردن على هذا البعد تشير إلى أنه من المتوقع أن لدى الأردن ثقافة معيارية بصورة قوية. فالناس في مثل هذه المجتمعات لديهم اهتمام قوي بتأسيس وترسيخ الحقيقة المطلقة، وهم معياريون في تفكيرهم. كما يظهرون احتراما كبيرا للتقاليد، ولديهم نزعة صغيرة للتوفير للمستقبل، والتركيز على تحقيق نتائج سريعة.
  • Indulgence: الإنغماس الذاتي والتساهل.
    هناك تحد يواجه البشرية، في الحاضر والماضي، وهو الدرجة التي يصبح فيها الأطفال اجتماعيين (Socialized). بدون التنشئة الاجتماعية، فإننا لا نصبح بشرا. ويُحد هذا البعد باعتباره المدى الذي يحاول الناس أن يتحكموا فيه برغباتهم ودوافعهم، بناء على الطريقة التي نشأوا وتربوا عليها. ويسمى الميل نحو سيطرة ضعيفة نسبيا على الدوافع "الانغماس الذاتي والتساهل"، بينما التحكم القوي نسبيا بالدوافع يدعى "ضبط النفس". وعليه توصف الثقافات إما بأنها متسامحة (Indulgent) أو مقيدة (restraint).
    إن حصول الأردن على درجة منخفضة نسبيا (43) على هذا البعد يشير إلى أن ثقافته هي ثقافة مقيدة. ومن هنا، فإن المجتمعات التي تسجل درجة منخفضة في هذا البعد لديها ميل إلى السخرية والتشاؤم. وأيضا، على عكس المجتمعات المتساهلة والمتسامحة، فإن المجتمعات المقيدة لا تشدد كثيرا على وقت الفراغ وتتحكم في إشباع رغباتها. إن الأفراد الذين لديهم هذا التوجه يتصورون أن أفعالهم مقيدة أو يجب أن تكون مقيدة بالمعايير الاجتماعية، ويشعرون بأن الانغماس أو تدليل النفس هو خطأ إلى حد ما".
اضافة اعلان

*مستشار سابق في رئاسة الوزراء
ملاحظة: إن المعلومات الخاصة بالمحركات الثقافية مأخوذة من كتب البروفيسور الهولندي (Geert Hofstede)، الذي يشير إلى أن البيانات تم جمعها في سنوات مختلفة، ثم ضمت بلدانا إضافية، حيث شملت 76 بلدا ومنطقة.