الجرائم بين "الأقرباء".. وليدة غياب ثقافة الحوار

رسم تعبير ليد تقبض على سكين ارتكب صاحبها جريمة-(أرشيفية)
رسم تعبير ليد تقبض على سكين ارتكب صاحبها جريمة-(أرشيفية)
طلال غنيمات عمان- في ظل زيادة الخلافات العائلية التي لم تحل، وبسبب انعدام ثقافة الحوار والتسامح والصبر، داخل الأسرة الواحدة، ينشغل الرأي العام بمجموعة من جرائم القتل العائلية، سواء قتل الآباء للأبناء، أو قتل الأبناء للآباء، بسبب ارتفاعها الملحوظ.

في شهر رمضان.. مشكلات بسيطة تتحول إلى جرائم قتل

وشهدت المملكة منذ بداية العام، مجموعة من جرائم القتل العائلية، حيث شهد الأسبوع الماضي جريمة قتل ابن لأمه طعنا في العاصمة عمان، في حين شهدت منطقة العقبة أمس جريمة قتل أخرى، حيث أقدم شاب على قتل شقيقته بعدة طعنات في منطقة الظهر، وتم ضبطه من قبل الأجهزة الأمنية. في هذا الصدد، يقول عميد كلية العلوم الاجتماعية في جامعة مؤتة الدكتور حسين محادين إنه "من حيث المبدأ، فالجريمة هي فعل عدواني مدان قانونيا، وبالتالي القانون لا يميز أن تكون ضمن دائرة ضيقة كالأسرة أو خارجها، لأنه كفعل يعتبر مدانا". ويشير محادين إلى أن " الفعل الجرمي من ناحية يعامل كل فعل على حدة، أي لكل جريمة عوامل دفعت بأطرافها إلى ارتكاب الجريمة". لكن "لعل اللافت بالجرائم الأسرية، يستدرك محادين، هو ما يشير ضمنا إلى وهن أو ضعف الأدوار التربوية للأفراد والأسر في الآونة الأخيرة، كما تقول دراسات علم النفس الاجتماعي أن خبرات وأنماط التنشئة الاجتماعية التي نتلقاها في مراحل الطفولة الأولى، سواء كانت أنماطا حوارية أو عدوانية، نحو الآخرين، إنما تؤثر لاحقا على طريقة تعامل الفرد مع نفسه، ومع الآخرين وينعكس ذلك على كيفية إدارته للحظات الغضب أو الأفعال المفاجئة التي قد تواجهنا دون إعداد مسبق". ويؤكد محادين، "نجد أن ما يسمى بجرائم العنف بين الأقرباء من الدرجة الأولى، ينطبق عليها ما ينطبق على الجرائم الأخرى، لكن الإعلام ساعد على نشر الأخبار الفورية، وبالأخص هذا النوع من الجرائم فبدأ يهتم ويتفاجأ بها المجتمع، على الرغم من أن هذا النوع من الجرائم كان موجودا لو على نطاق محدود وأحيانا كان يتجلى بما يعرف بالنار داخل الدائرة الاجتماعة الأولى، القائمة على رابطة الدم". وقال محادين، " يمكن أن يكون المتغير الاقتصادي عامل تأثير نسبي، لكن ما يشهده المجتمع الأردني من تراجع في منظومة القيم المرتبطة بالضبط الاجتماعي، قد ساهمت في قيام مثل هذه الجرائم خصوصا أن القيم الفردية قد تضخمت في العقود الأخيرة بين أفراد المجتمع الذين فقدوا السند الاجتماعي وقيم التكافل والتعاون وكلها عوامل أضعفت هذه العلاقات التي كانت تحد من اختراق هذه الجرائم". من جهته، يقول أستاذ علم الاجتماع في جامعة البلقاء التطبيقية حسين الخزاعي إن" أهم أسباب ارتكاب الجرائم في الأردن، خصوصا القتل أو الشروع بالقتل، تتمثل في الخلافات العائلية التي لم تحل، والخلافات الشخصية بين أبناء المجتمع". وأضاف، " ومن أهم الأسباب أيضا، انعدام ثقافة الحوار بين الأبناء والأهل، داخل الأسرة الواحدة، وبين أبناء المجتمع والأدمان على الكحول أو المخدرات، والبعد عن الدين والعادات والتقاليد، وغياب ثقافة التسامح والصبر وبروز قيم الانانية والافتخار، وعدم التنازل وغياب ثقافة الاعتذار". ومن بين هذه العوامل، يشدد الدكتور الخزاعي، على ضرورة حل الخلافات الأسرية بسرعة وعدم تأجيلها حتى يتم إطفاء شرارة العنف التي تبقى مشتعلة في حال عدم حلها بالتراضي." وأيضا، "من الأسباب الرئيسية هي غياب القدوة، أي أن الذين يتدخلون لإصلاح ذات البين أصبح هناك انحسار في دورهم". وأوضح الخزاعي، "أن مرتكبي الجرائم العائلية يستسهلون ارتكابها كونها تحل وتنتهي مستقبلا داخل نطاق الأسرة أو العائلة في ظل انتشار الأسلحة، وسهولة الحصول عليها واقتنائها بين الأفراد". وبين الخزاعي، "أن جرائم القتل المرتكبة بسبب خلافات شخصية واجتماعية، تكون غالبا وليد الساعة وليس مدبرة". المحامي يونس عرب، قال، "سندا لقانون العقوبات الأردني فأن القتل الواقع من الفرع على الأصل، أي من الابن على الأب أو الحفيد على الأب أو الجد يعاقب مرتكبه بعقوبة الإعدام وفق الفقرة الثالة من المادة (328)". وأضاف، "يعتبر هذا ظرفا مشددا على العقوبة لأن عقوبة القتل البسيط الوضع بالأشغال عشرين عاما، وليس في القانون ظرفا مشددا كهذا الظرف عندما يقع القتل من الأصل على الفرع، مع ملاحظة أن الأصل في هذه الحالة قد يخضع لظرف مشدد آخر، كسبق الإصرار أو القتل تمهيدا لجناية أخرى، في هاتين الحالتين يعاقب الأصل بالإعدام استنادا إلى ظرف مشدد آخر". وأشار عرب، " أن الحالة الوحيدة التي ذكرت بقانون العقوبات بشأن قيام الأصل بقتل الفرع ما ورد في المادتين (331، 332)، الخاصتين بتسبب المرأة بقتل وليدها سواء لسبب طبي أو لاتقاء العار، وفي هاتين الحالتين نكون أمام ظرف مخفف وليس مشددا". وأضاف عرب "أما عن آثار هذه الجرائم فأنها بالإضافة إلى تعارضها مع المبادئ الشرعية والأعراف الاجتماعية الخاصة بعلاقة أفراد الأسرة الواحدة بعضهم بعضا، ووجوب بر الوالدين وبنفس الوقت عطف الوالدين على الأبناء وحسن التعامل معهم فأن هذه الجرائم سواء الواقعة من الفرع على الأصل أو من الأصل على الفرع من شأنها أن تحدث مرضا اجتماعيا عريضا، تسهل معه الجرائم الأخرى". وأكد عرب، " أن من استسهل قتل ابنه أو قتل والده فليس ثمة رادع لمنعه عن ارتكاب أي فعل دون ذلك". وقال، "من المعلوم في علم العقاب والإجرام أن الأحداث المؤثرة في المجتمع تؤثر في المنظومة العامة للسلوكيات الإجرامية، فاهدار الأعراف والقيم والشرائع سيتعدى إلى أناس يستسهلون ارتكاب الجرائم". ويشار أن التقرير الإحصائي للعام 2019، بين أن الأردن شهد زيادة ملحوظة في جرائم القتل وذلك بنسبة 32 %. حيث وقعت 118 جريمة قتل في العام 2019، مقارنة مع 89 جريمة وقعت في العام 2018. كما تشكل الخلافات العائلية والشخصية السبب المباشر لنسبة 79 % من الجرائم، وتعتبر الأسلحة النارية والأدوات الحادة نسبة 76 % من الأدوات المستخدمة لتنفيذ الجرائم.اضافة اعلان