الحب الحقيقي يؤثر في الإنسان ويغير نظرته للعالم

الحب الحقيقي يحمل رسالة ايجابية ويحتاج لرعاية حتى يستمر وينمو - (mct)
الحب الحقيقي يحمل رسالة ايجابية ويحتاج لرعاية حتى يستمر وينمو - (mct)

إسراء الردايدة

عمان- يقول جلال الدين الرومي "لا يهدأ قلب العاشق قط ما لم يبادله المحبوب الوله. وحين يشع نور الحب في القلب فذاك يعني أن هناك إحساساً بالحب في القلب الآخر"، ومن هنا للحب وعواطفه الجياشة أثر كبير على صاحبه، لا يؤثر على العقل فحسب، وإنما يرتبط ارتباطا وثيقا في نظرة الفرد الإيجابية للعالم.اضافة اعلان
العواطف التي ترافق الحب تدفع الفرد إلى معرفة المزيد عمن يحب، ويتملك عواطف قوية ومتأججة نحو من يحب، فيما الجسم والعقل يعملان وينشطان ثلاث مرات عن المعتاد، بسبب الشعور بالقوة والفخر والانتصار على المصاعب جميعها ومواجهة العالم بسبب هذا الشعور. حتى ان الخلايا في الجسم تصبح أكثر نشاطا وحيوية، فالحب يحمل تغيرات متعددة تندرج تحت مفهوم الحب الحقيقي الذي يكمل فيه كلا الطرفين بعضه الآخر، بحسب اختصاصيي علم النفس والطاقة.
ويرى اختصاصيون أن الحب الحقيقي يحمل رسالة ايجابية ويحتاج لرعاية حتى يستمر وينمو، فالحب الحقيقي يشمل ترك الحبيب حرا باختياراته، أي أن تجعل الشخص قريبا منك، ولكن باختياره وليس رغما عنه.
والحب الذي جمع بين العشرينيين لين ومحمد اللذين يعملان معا في الحقل نفسه، جعلهما ينظران إلى أن للعالم والحياة هدفا أسمى من مجرد تحقيق الأمنيات، مؤكدين أن علاقتهما والمشاعر التي تربطهما تجعلهما يتخذان الخيار الصحيح في حياتهما؛ إذ أصبح لكل شيء معنى بوجود هذا الحب.
وتضيف لين أن علاقتها بمحمد ليست مجرد صدفة أو قرار، ولكنها وجدت نفسها معه، فهو يكمل كل ما تفتقد إليه، وفيه وجدت ما كانت تبحث عنه وعرفت أنه الخيار الصحيح بدون أي مقدمات.
وتذهب لين إلى أن شعورها هذا لا يشبه أي مشاعر مرت بها من قبل من إعجاب أو شيء من هذا القبيل، فتواجدها وعلاقتها الرسمية مع محمد التي ستتوج بالزفاف قريبا تطورت بدون سابق إنذار، وكأن كل شيء خطط له منذ زمن بعيد، وفيه ترى الحياة أمامها دافئة متحدية العالم كله ما دام بقربها.
والحب، من جهة العشريني محمد الذي يحمله في قلبه إلى لين، يكمن في التفاصيل الصغيرة والاهتمام الذي منحته إياه؛ إذ تغير من شخص لا يهتم بشيء ويرفض الوقوع بالحب لشخص غارق فيه، لافتا إلى أنه لا يريد أن يمضي أي يوم آخر وحيدا بعيدا عنها، فهي من جعل للحياة معنى.
موقع "physiology today" نشر مقالة عن تأثير الحب على الفرد من حيث تأثير العواطف الداخلية التي تنعكس على صورة الفرد ونظرته للعالم الخارجي.
وأكد المقال أنه حين يتعرف الفرد على شخصية جذابة، ويجد أنه يتفق معها في كل شيء، فإن العواطف المرتبطة به تكون إيجابية في كل مرة يلتقي بها، ويجد نفسه يركز على أمور جديدة تعجبه في الشخصية الأخرى، وهذه العواطف تتماشى مع الشعور بالحاجة إلى معرفة المزيد عنه، وهو إحساس إيجابي يشعر الفرد بالسعادة.
من جهته، يرى الاختصاصي النفسي د.محمد الحباشنة أن للحب تفسيرات مختلفة، فالحب الوصفي يكون شخصا مناسبا في الوقت المناسب وفي الزمان المناسب، وهو ما يعرف بالحب "الحقيقي"، وأي خلل في أحد هذه العناصر يحول القصة لمشاعر حب وليس حالة حب.
ويضيف الحباشنة أن وهم الحب وخداعه، يصيب كثيرا من الأزواج، خصوصا حين تتواجد العناصر كاملة، ولكن افتقدت لديمومة الحب وصاينته ورعايته، لأن مشاعر الحب قابلة للتبدل والتغير في حال لم تنل كل ما يجب لتزهر وتكبر.
فالحب، بحسب الحباشنة، حالة مؤسسية من التماثل والتكامل والاستمرارية بين الطرفين، وهو ما يفسر انتهاء علاقات كثيرة لأنها وقعت بالفخ.
لكن الحباشنة في الوقت نفسه ينوه إلى أن مشاعر الإنسان بالحب مرتبطة بطفولته؛ حيث يعتقد أنه ومنذ الصغر متوحد مع العالم والمحيط، وبتقدم العمر يكتشف أن العالم مختلف وليس له وحده، وبالتالي فإن الحنين للتوحد والارتباط للبحث عن توحد مع شخص آخر، يجعل من الحب مصدرا للراحة النفسية والروحية.
ويحذر الحباشنة من العمى في الحب، وخصوصا الحب الصارخ والكبير، مبينا أن هذا "العمى" يكون حالة مؤقتة، بحيث لا يرى الفرد التفاصيل وأي أمر في الطرف الآخر، حتى تنكشف التفاصيل وتتضح العيوب، وتسقط الأقنعة ويعلم أنه الشخص المناسب، وهو في حالات قليلة.
لكن الحب يبقى دافعا للاستمرار ومواجهة الحياة، وفيه حيوية وطاقة مختلفة، وما يساعد على تمييز الحب الحقيقي عن غيره، هي عبارات سهلة أحيانا، ولكنها ذات معنى عميق تحفز على الالتزام، وتؤدي لازدهار العلاقة، أو تدفع للتخلي عنها، وهنا يصبح الشعور مختلفا عن الحب، وكل ما يتعلق به، أيضا تبرز صحة الحب.
فالناس يقولون هذه العبارات لمن يحبونهم، فهم يحبون الاحتفاظ بهم، ويقيدون حركتهم، حتى انهم يلجأون لامتصاص كل المشاعر منهم، وهو ليس هذا النوع من الحب الذي يكون صحيا، لأنه غالبا ما ينتهي نهاية درامية مؤذية.
والسبب يعود في ذلك إلى أن كل شيء وكل المجتمعات والأفراد تتغير باستمرار، فنحن ننمو ونتقدم بالسن، ويزداد وزننا، وتتغير ملامحنا، فكيف لا تتغير مشاعرنا، ونجد اهتمامات مختلفة، بحيث نغير السابقة، وهكذا هي العلاقة تنمو وتتبدل وتتغير بوجود المشاعر التي تزداد قوة، وهو هذا الحب الحقيقي، وليس الحب ما يثبت عند حالة واحدة، ويرفض التغيير، لأنه يدخل ويثبت على ما يعرف بالافتتان الذي يبقى مع الرفقة الهادئة.
إذن الحب هو شعور مستمر بالافتتان، ويتأجج في أوقات تغير الظروف، بحيث يصبح الالتزام أقوى والعلاقة أعمق، خصوصا في الأوقات العصيبة مثل؛ المياه الجارية وتغير الحب يجد طريقه في العقبات التي يواجهها، وتجميده يجعله هشا، ولكن السماح له بالتغيير يجعله أكثر قوة واستمرارية.
وما يثبت أن الحب حالة من الديمومة والاستمرارية حتى بعد مضي زمن طويل، فقد امتد لربع قرن تحديدا ولم يتغير بل تعمق وبات أكثر قوة بين الخمسيني نضال الكسيح وزوجته الأربعينية ليلى مطر.
وبحسب مطر، فإن لقاءها بزوجها كان خلال دراستهما للهندسة في مصر وجمعتهما مادة في آخر فضل دراسي لهما، لتبدأ رحلة عمر كما وصفتها توجت بثلاثة أبناء وحب ما يزال يزهر من خلال علاقة مبينة على التكامل والاحترام والمشاركة بكل شيء وسط الحفاظ على مساحة للآخر.
وتقول "الحب بيني وبين نضال ليس مجرد كلمات تقال، فترجمة المشاعر أمر ليس سهلا وسط مصاعب الحياة، لكن يمكن تجاوزه بالحنان والثقة في الآخر بأنه سيبذل ما بوسعه، والتي تقف أمام فجوات متعددة يمر بها أي زوجين خلال علاقتهما".
أما نضال، فيصف "ليلى" بياسمينة حياته، فهي بحسبه "عبير منعش" كل صباح وابتسامتها التي تستقبله كل يوم بعد عودته من سفر أو نهار عمل طويل تكفي لحمل ثقل الهم والعمل وتنسيه همومه وتجعله يشعر بالحياة والرغبة للفرح في كل وقت.
ويؤكد نضال أن العلاقة بين الأزواج ليست مجرد جمال شكلي أو جسدي، فرغم أهمية الحفاظ على مظهر كل واحد منهما، هناك أمور بين الأزواج تختفي وراء الحب بين قدرة تحمل كلا الطرفين للآخر وتقدير أوقاته وظروفه وقدرته على التأقلم مع أي طارئ وتغير في حياته والاستمرار في العطاء وإبراز العاطفة بأبسط أشكالها ولو بابتسامة فهي كافية.
ويضيف أنه في العلاقة الزوجية كل ما على الشخص هو قول الحقيقة، وتحمل مسؤولية اختياراتك واحترام رغبات شريكك والاتصال مع مشاعرك الخاصة وفهمها من دون محاولة إجبار الطرف الآخر على فعل ما تريده، وهكذا تزدهر العلاقة، وتكون المشاعر حينها حقيقة والحب يباهي الدنيا بأكملها بعدالته ورقته.
ولأن الحب يحتاج لصيانة دائمة، بحسب الحباشنة، فإن العواطف الإيجابية، التي يحملها الفرد بداخله لشخص مقرب أو لمحيطه هي مزيج قوي من الديناميكية التي تحسن المعيشة والعلاقات الأخرى وترسم أساسها بمتانة وقوة.
ويلفت حباشنة إلى أن هذه العواطف وتحديدا الحب بكل أنواعه تعتمد على الأخذ والعطاء، مؤكدا كونها مشاعر استراتيجية وتكتيكية، فالعلاقات الناجحة تحقق ذاتها بالتواصل والعطاء، فالحب وحده لا يكفي لبناء العلاقات، لكنه جوهرة مهمة في توليد الثقة والمتانة والصداقة وحتى الشعور بالأمان والأهم بناء علاقة صحية.
ويبين أن الحب لا يخلو من التحدي، والرحمة والحلول الوسطى لإشعار كلا الطرفين بالراحة والتوازن الذي يتمثل بالأخذ والعطاء، منوها إلى أن التعبير عن الحب لا يعني إشعار أحد الطرفين بالعجز وعدم القدرة على التفاعل، لأن ذلك حينها يفقد العلاقة موازينها ومعاييرها الصحيحة.
والحب يولد الشعور بالانتماء للمحيط، وفق حباشنة، الذي ينوه إلى أن العلاقات التي تنطوي على المشاعر الايجابية والحب تعتمد التبادلية في العطاء وتلقي الاهتمام، والنتيجة الحتمية هي محيط دافئ إيجابي سعيد كله تفاؤل.
ويضيف أن الحرية في العلاقة وإتاحة المساحة للآخر تسمحان بتكوين بيئة صحية لمشاعر قوية وأكثر عمقا، تقودان للالتزام والبقاء فترة طويلة من دون محاولة إلغاء كيان الآخر، بحجة الحب والتملك والقلق وعدم الثقة، فالحب خيار مشترك وليس فرديا.
ويرى الحباشنة أن الحب الحقيقي يحمل رسالة إيجابية للجميع، ويجعل صاحبه أكثر ثقة وتوازنا ويحقق سلم الاحتياجات الثلاثة للحب، فيصبح قادرا على الإبداع، وجمالية الحب هي تحقيق الذات وهذه أعلى درجات الحب.
ويؤكد الحباشنة الحاجة لتواجد حب حقيقي ينتشر في المجتمع للخروج من الحب السطحي، لأنه يبني مجتمعا وليس أفرادا ويشعر الشخص بالتكامل والحيوية والإيجابية وليس أي شخص قادر على منح هذا الشعور.
ومن هنا، فالعاشق لا يعرف اليأس أبدا، وللقلب المغرم كل الأشياء ممكنة، وكما يقول الرومي "انظر بقلبك.. وستعرف أن كل ذرات الكون في رقصة عشق أبدية.. ستعرف أنها تتلمس العاشقين فتعرفهم".