الحكومة البرلمانية: سياسيون يستعجلون.. والحكومة ترى أنها استحقاق لم يحن موعده

عمان - فيما يستعجل سياسيون وقوى حزبية وسياسية تشكيل الحكومة البرلمانية، والوصول إليها سريعا، باعتبارها متممة لعملية الإصلاح، ترى الحكومة الحالية وسياسيون آخرون، أن الأوان لم يحن بعد، لتشكل هذه الحكومة، ضمن مفهوم التشكيل من الحزب أو الكتلة البرلمانية الأكبر. اضافة اعلان
ويأتي هذا الجدل والتباين في المواقف، وسط اختلاف آخر، في تقديم تعريفات مختلفة للحكومة البرلمانية، بحيث يعرفها سياسيون بأنها تلك الحكومة التي تحصل على ثقة مجلس النواب على بيانها الوزاري، في حين يعرفها آخرون بأنها الحكومة التي تتشكل من الكتلة البرلمانية الأكبر، أو تلك التي تتشكل بعد التشاور مع أعضاء المجلس.
جلالة الملك أوضح مفهوم الحكومة البرلمانية في اوراق النقاش التي وضعها مطلع العام الحالي بـ"ترتيب العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، بحيث تكون السلطة التنفيذية خاضعة لمساءلة الأغلبية النيابية من خلال آلية منح الثقة أو حجبها".
ولفت جلالته إلى أن "تعميق نهج الحكومات البرلمانية بشكل متدرج وفقا لتقدم العمل الحزبي والبرلماني، وعلى عدد من الدورات البرلمانية، من خلال إدخال آلية للتشاور المسبق مع مجلس النواب، للتوافق على تكليف رئيس للوزراء، والذي بدوره يتشاور مع مجلس النواب على تشكيل فريقه، وعلى البيان الوزاري الذي يشكل برنامج عمل الحكومة".
في أروقة الحكومة، يؤكد مسؤول حكومي رفيع لـ"الغد"، ان المشاورات النيابية التي مارستها الحكومة الثانية ابان تشكيلها، كانت البداية، تبعتها خطوات مهمة، بينها تعديل النظام الداخلي للمجلس، لتعزيز الكتل النيابية وتقويتها فضلا عن تعديلات قانون الاحزاب التي من شأنها تعزيز وصول الاحزاب للبرلمان.
ويلفت المسؤول الحكومي الى ان قانون الانتخاب الذي استلزم خطوات سبقته مثل اللامركزية، ومجالس المحافظات لرفع العب الخدماتي عن النواب، وترك مساحة كبيرة لهم للتفرغ للعبء التشريعي والرقابي واي اعباء اخرى مستقبلا.
ولم يغفل المسؤول الحكومي الحديث عن التعديلات الدستورية التي قال إنها تسهم بزرع الطمأنينة في نفوس الناس من وصول الأحزاب لتشكيل حكومات، اذ كانت في الماضي غير جاهزة، ما من شأنه التخفيف من البرودة السياسية تجاه التعاطي مع تلك الاحزاب.
فكرة ايجاد حكومة برلمانية حقيقية، أوضحتها بعمق اوراق النقاش الملكية، مؤكدة على اهمية وجود منظومة متطورة من الضوابط العملية لمبادئ الفصل والتوازن بين السلطات وآليات الرقابة، وأن يكون إشراك النواب في الحكومة متدرجاً، وبالتوازي مع نضج العمل السياسي النيابي الحزبي، ممثلاً في مأسسة عمل الكتل النيابية وتطورها، بحيث تبنى على أسس برامجية وأكثر صلابة، وتتطور تدريجياً إلى كتل حزبية، وهذا يرتبط زمنياً بالقدرة على تطوير أحزاب وطنية وبرامجية فاعلة وذات امتدادات شعبية.
الاوراق النقاشية ذاتها لفتت الى ان تعمق نهج الحكومات البرلمانية يكون مع تقدم العمل الحزبي والبرلماني في الدورات البرلمانية المقبلة، ما يؤدي في النهاية لظهور ائتلاف برلماني على أسس حزبية، يتمتع بالأغلبية ويشكل الحكومة، ويقابله ائتلاف برلماني معارض، يقوم بدور حكومة الظل في المجلس.
ولم تغفل أوراق النقاش أهمية تطور عمل الجهاز الحكومي ليصبح أكثر مهنية وحيادا، وبعيدا عن تسييس الأداء، ليكون مرجعاً موثوقاً للمعرفة والمساندة الفنية والمهنية، لدعم وزراء الحكومات البرلمانية في صنع القرار.
وبهذا الصدد، يقول النائب الثاني لرئيس المجلس المحامي مازن الضلاعين لـ"الغد" "عمليا وعلى أرض الواقع، يتوجب على النواب في المجلس الحالي، تشكيل كتل برلمانية على أسس برامجية وسياسية، تمثل القوائم الوطنية، للوصول لائتلاف برلماني من هذه الكتل لضمان الأغلبية في البرلمان ولتكون رافعة لحكومة جديدة مستقبلا".
وأضاف "بالتالي، فإن نواب القوائم أمامهم خيارات متعددة، فإما دخول بعضهم في ائتلاف برلماني، يمثل الأغلبية البرلمانية، وإما اختيار البقاء في معسكر المعارضة البرلمانية، وعلى طرفي المعادلة البرلمانية، ممارسة اللعبة الديمقراطية تحت قبة البرلمان بكل ما تحتمله من استحقاقات وتفاصيل".
وعبر الضلاعين عن مخاوف تأخير بل وفشل هذا الاستحقاق بالقول "لعل من أبرز المشكلات المتوقعة ان هذا النوع من الائتلاف البرلماني، سيبقى تحت سلطة الائتلافات الصغيرة المشاركة فيه، وهذه الكتل الصغيرة رقميا قد تنقلب على ائتلافها البرلماني، وتخرج منه لدواع شتى وطارئة، ما سيفقد الحكومة الثقل البرلماني الداعم لها، وعندها ستتحول الحكومة إلى هدف سهل لإسقاطها وإقلاقها، بخاصة إذا ما نجح ائتلاف المعارضة باستقطاب الخارجين من ائتلاف الأغلبية الداعم للحكومة".
من جهته، وجه رئيس الوزراء عبدالله النسور أخيرا، دعوة للمجلس للاستعداد لمرحلة الحكومات البرلمانية، بقوله "إن جلالة الملك يريد الوصول بالعملية الديمقراطية للحكومات البرلمانية".
ووصف التعديلات الدستورية، التي أقرها المجلس قبل أيام بأنها" ستعبر بالأردن لمرحلة الديمقراطية من دون هزات".
بيد أن مراقبين، لفتوا إلى أن التحول للحكومات البرلمانية ما يزال يحتاج إلى مزيد من الوقت، بسبب ظروف الإقليم والاضطرابات والأحداث المتسارعة التي تشهدها المنطقة.
وزير داخلية أسبق قال لـ"الغد" إن "التحولات في المشهد الإقليمي مقلقة جداً"، موضحا أن الجوار الأردني الأشد سخونة، العراق في عين العاصفة، والاضطرابات في المناطق السُنية، وسورية تمر بمرحلة قد تفضي إلى تقسيم، أو على الأقل إلى غياب الاستقرار لأعوام، وكذلك مباحثات تسوية الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، والحرب على قطاع غزة، وتوقف المفاوضات بين الجانبين الفلسطيني والاسرائيلي، يضاف إلى ذلك كله، الأزمة الاقتصادية التي يعاني منها الأردن".
 ويشير الوزير الأسبق الذي رفض نشر اسمه "كل هذه الظروف حتما، ستجعل صاحب القرار متأنياً قبل إحداث أي تغييرات داخلية، وأن الدولة بمؤسساتها السيادية والحكومية، تتعامل مع هذه المعطيات والظروف وفق تقسيم أدوار يُشرف عليها القصر ويتابعها بشكل مباشر ومستمر".
بيد أن الوزير الاسبق والبرلماني الحزبي الدكتور بسام حدادين قال "إن قانون الانتخاب المقبل، هو من يحدد زمن وصول الأردن للحكومة البرلمانية المبنية على اسس برامجية وحزبية، وليس الرغبة والإرادة".
ويضيف "ليس للحكومة البرلمانية شكل واحد، وهي الحكومة التي تنال ثقة المجلس، لكن المراد هنا: متى نصل الى مرحلة التعددية السياسية والحزبية في المؤسسة البرلمانية، بحيث تتشكل اغلبية برلمانية حزبية، قادرة على تسمية رئيس وزراء يحظى بالأغلبية، ويدير شؤون البلاد وسط برنامج معد مسبقا".
ولفت إلى أن هذه المرحلة، تحتاج إلى وقت ومراحل، معربا عن أسفه لأنه الى الآن "لم تقدم الحكومة الحالية خطوة جدية بهذا الاتجاه وان خريطة الطريق لهذه الحكومة واضحة المعالم لمن يريد".
وأضاف "لا يكفي إعداد قانون جديد للأحزاب، فالقانون الذي انقلبت عليه الحكومة تأسس وفقه اكثر من 30 حزبا، لكنها لم تتمكن ان تكون لبنة اساسية في النظام السياسي، ولا يمكن ان تكون لبنة اساسية الا اذا اعطى قانون الانتخاب حيزا واسعا للقوائم الحزبية، ونسف نظام التمويل الحالي للاحزاب، لانه نظام اعمى يوزع المال على من لا يستحق". وزير الشؤون السياسية والبرلمانية خالد الكلالدة قال لـ"الغد" إن "الأردن يستعد لعهد الحكومات البرلمانية المنبثقة من إئتلافات برلمانية؛ بحيث حرصت الحكومة الحالية على إعطاء الأولوية لوضع قانون جديد للأحزاب السياسية، رغبة منها في أن تهيئ الأحزاب نفسها للمرحلة المقبلة قبل إصدار قانون جديد للانتخاب".  وأشار إلى أن الأوراق النقاشية لجلالة الملك وخطابي العرش في الدورتين العادية وكتاب التكليف السامي للحكومة، تحدثت بصراحة عن مراجعة لقوانين اخرى مثل الانتخاب والاحزاب والبلديات واللامركزية لتخفيف العبء المطلبي عن النواب.
وبين ان مهمة الحكومة، جاءت لتهيئة الارضية الملائمة للوصول الى الحكومة البرلمانية، مشيرا الى أن لا احد يمكنه التكهن بمدد زمنية.
واعتبر أن بدء الحكومات البرلمانية على أسس حزبية وبرلمانية، محكوم بظروف موضوعية معقدة، قد تنشا عبر ائتلافات حزبية، يمكن ان تؤسس لتحالفات قوية.
واستذكر الكلالدة تجربة النقابات المهنية التي تحدث فيها عن ثلاث قوائم حزبية، هي: الخضراء والبيضاء والزرقاء، تتصارع سلميا في كل انتخابات، معتبرا ان هذا النموذج يمكن ان ينطبق على الاحزاب.
وقال إن "المشكلة الرئيسة كانت دوما في الصوت الواحد المجزوء الذي يضيع أي أرضية يمكن البناء عليها"، معتبرا أن الأحزاب، هي المحرك الأساس للعمل النيابي، وأن الحكومة تتطلع إلى قيام شراكة واقعية مع الأحزاب".